شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 19 سبتمبر 2026م19:46 بتوقيت القدس

وزارة المواصلات وقرية الجبعة!

08 يونيو 2015 - 14:22
فاطمه مشعلة
شبكة نوى، فلسطينيات:

 بقلم: فاطمة مشعلة

كثيراً ما حدثت نفسي كمواطنة تسكن قرية نائية، كيف لي كصحفية شابة أن أتدخل للمساهمة في حل مشكلة، لم يعد سكان قريتي ينظرون إليها أكثر من أنها عادية، وأما وزارة المواصلات لم تعد على ما يبدو تُحركها لا كلمة في مقال، ولا مساحة "حرة" في برنامج تلفزيوني ظننت أنني عندما أعده، سيبدأ الحل بمجرد انتهاء التصوير!

لا تهتم  معظم وسائل الإعلام بترديد اسم قريتي، رغم بعض إصراري على عكس ذلك.

 اسمها الجبعة، وتعني التلة المرتفعة تقع في الجنوب الغربي لمحافظة بيت لحم. تتمتع بموقع استاتيجي بين الأراضي المحتلة عام ثمانية وأربعين وشبيهتها عام سبعة وستين، كما أنها تعد صلة وصل بيتن محافظتي بيت لحم والخليل ، عدد سكانها يقارب ألف ومئة نسمة، صادر الاحتلال ما يزيد عن ثلاثة عشر ألف دونماً من مساحة أراضيها الإجمالية.

 يلحظ الزائر الجبعة بمجرد وصوله كفار عصيون التي قلبها الإحتلال لمجمع استيطاني ويلحظها ايضاً القاطن بلدة صوريف التي تحدها من الجنوب، والساكن الأراضي المحتلة عام ثمانية وأربعين وقرية واد فوكين غربا  لينطبق عليها جغرافيا على الأقل المقولة التي صارت مؤخرا تنسحب إلى جانب البشرعلى الأماكن والمواقع بأن لكل شي من اسمه نصيب ؛ إلا أن الجبعة الظاهرة للعين جغرافيا لم تقنع المسؤلين بعد أن مشكلة انعدام وسائل النقل العام فيها انعداما نهائيا  ظاهرة ومعضلة جديرة بالحل .

طُرح الموضوع أكثر من مرة في وسائل الإعلام، تحت عنوان: لماذا لا تخصص وزارة المواصلات  خط نقل للقرية! الإجابة جاهزة لدى الوزارة : "قلة عدد السكان".

وهنا يُطرح السؤال التالي: "هل نترك مشاغل الحياة كلها يا وزارتنا ونركز على الإنجاب لنحّل المشكلة!". وإن كانت المعضلة هي عدد السكان المنخفض، لِمَ لا تخصص لنا الوزارة حافلة أو اثنتين، للتخفيف من العبء المادي والجسدي على السكان؟؟! وإن استعصى الحل الثاني، ألم تفكر الوزارة بربط خط نقل حافلات القرية "حال إطلاقه" بخط نقل قرى الريف الغربي لبيت لحم "العرقوب".

قد يتعجب القارئ عندما يعلم أن سكان القرية يخرجون من منازلهم صباحًا لانتظار مركبة أجرة، مرّت عن طريق الصدفة آتيةً من إحدى القرى المجاورة، أو يضطرون للاتصال بأي منها كـ "طلبية"، لا تقل تسعيرتها عن عشرين شيقلًا للوصول إلى أقرب موقف أجرة في القرى المجاورة كنحالين أو حوسان، ثم استكمال الطريق إلى بيت لحم بتسعيرة لا تقل عن خمسين شيقلاً. أو الاتفاق مع الأقارب الذين يملكون مركبات خاصة لمرافقتهم إلى إعمالهم أو جامعاتهم.

لست وحدي في هذه القرية  التي أحمل هذه المعاناة، لكن كيف لي أن أصمت أو أتكيف بثمن باهظ مع مشكلةٍ،  باتت تُجهض جوهر العمل الصحفي، "الالتحام بتتبع الخبر". هل ينتظر الحدث حتى قدوم مركبة عن طريق الصدفة إلى قريتي ووصولي للعمل! ماذا عن عامل السرعة والفورية في المشاركة في نقل الخبر؟ فرغم التكنولوجيا الحاصلة والهبّة المتسارعة لها إلا أن هذا كله لا ينهي ضرورة التواجد في الميدان حال اشتعال الحدث.

"مواصلاتك عالية شو نعملك " ! جملة التحمت بصيوان أذني منذ أن تخرجت قبل سنوات قليلة لطالما يطلقها أرباب العمل في معظم وسائل  ومؤسسات الإعلام التي تنقلت بينها حالما يعلمون بمشكلة النقل في قريتي التي لا ذنب لي فيها،  حتى أن الراتب الذي أتلقاه لا يبقى سوى الزهيد الزهيد منه نتيجة صرفي معظمه على طلبيات المواصلات أو مشاركة  السكان العازمين على الخروج من القرية أو العودة إليها يوميا رحلة العذاب بالحصول على وسيلة نقل عام من القرية لبيت لحم أو الخليل والعكس صحيح ، الأمر الذي بدأ يقتل شغفي بمهنتي التي اخترتها منذ سن الثانية عشرة .

غالباً ما أمازح نفسي قائلة: هل يستيقظ وزير المواصلات مثلي عند الخامسة صباحاً ليحضر نفسه للخروج لعمله في الوزارة عند السادسة؟ هل يثقل الشتاء عليه بوعكات الزكام نتيجة وقوفه مجبراً تحت المطر لعدة ساعات ؟! لا سيما وإن خذلت المرء المظلة وانهزمت جوانبها مع أول ريح "الشتوية" ، هل يمتلك وزير المواصلات والنقل العام مظلة ، أم أن السيارات السوداء المكيفة كفيلة بإضعاف احتمالية التعرض لبعض الزخات الخفيفة من المطر!

لن أسأل وزارة المواصلات في ختام هذا المقال عن حلٍ مرتقب ولا أين وصل تحركها تجاه القضية . ولكن سأسألك أنت عزيزي القارئ، لو كنت واحداً من سكان هذه القرية، التي أرهقها الإستيطان والتهميش، هل تستطيع أن تقدم لأولادك مصروفاً يوميا لا يقل عن (50) شيقلًا؟ ومثلها لزوجتك للذهاب لمراجعة الطبيب، وأخرى للوصول إلى عملك! لو كنت من سكان قرية الجبعة التي لا يتوفر لها اي وسيلة للنقل عام  ماذا تفعل حيال ذلك؟؟

[email protected]

 

 

 

 

 

 

كاريكاتـــــير