بقلم - مصطفى السعيد
من ذروة النشوة بحضور الرئيس السيسي قداس عيد الميلاد في كاتدرائية العباسية، عندما فاجأ الجميع بأن توجه فور وصوله من الكويت ليشارك المسيحيين احتفالهم بعيد الميلاد في يناير الماضي .. إلى شروط السلفيين المذلة لبناء كنيسة الجلاء في سمالوط، دون صليب أو أجراس، ومن طابق واحد غير قابل للتجديد، وإدخال المسيحيين الكنيسة من باب جانبي، وأن يحضر البناء ممثل عن السلفيين، للتأكد من الالتزام باتفاقية العار، وأن يتم تسجيلها في الشهر العقاري .. وحتى المشهد الحزين بتهجير الأسر المسيحية في بني سويف وغيرها من المحافظات.
حالة البهجة والتفاؤل التي فجرتها زيارة الرئيس السيسي للكاتدرائية لم تقتصر على أقباط مصر المسيحيين فقط، بل عمت الشارع المصري، ورأت فيها صفحة جديدة، تنهي حقبة طويلة من الاضطهاد والظلم الذي نال من المسيحيين طوال أكثر من أربعة عقود، لكن الأحلام سرعان ما تحطمت على صخور واقع مؤلم.
أحقاد وكراهية الإخوان والسلفيين بعد ثورة 30 يونيو أرادت تحويل الفرحة إلى حزن، وقرروا الانتقام من النظام الجديد، الذي حرمهم سلطة كانت في أيديهم، وخلافة «إسلامية» كانت على شفا التحقق، وقرروا الانتقام من المسيحيين، الذين يرونهم موطن الضعف، «كعب أخيل الدولة المصرية»، فهم موجودون في معاقل هذه الجماعات، مسالمون ومكشوفون، وهدف سهل للانتقام، خاصة مع الخطب والحملات الإعلامية التي روجت أن المسيحيين هم من خرجوا في 30 يونيو، وفجروا الثورة التي أطاحت بحكمهم.
عشرات الاعتداءات على المحال والمنازل والكنائس، وتحرش بالمسيحيين في كل مكان، ينتهي عادة بالاعتداءات البدنية عليهم، حتى منع الطلاب من الذهاب إلى مدارسهم، وحلالات خطف وطلبات فدية.
ومع ارتفاع وتيرة الاعتداءات، أصبح من الصعب على أجهزة الأمن المتباطئة والمرتبكة أن تواجه هذا السيل من الانتهاكات، ورأت كالعادة أن تلبي مطالب الإخوان والسلفيين لامتصاص غضبهم، وهو الأسلوب الذي اتبعوه طوال عقود، بل كانوا يحاولون دائما تكذيب الافتراءات بأنهم منحازون إلى المسيحيين، ولهذا عندما يحدث اعتداء على المسيحيين، يجري القبض على عدد متقارب من الجناة والضحايا، لتبدأ بعدها سلسلة مساومات، تنتهي دائما بتنازل الضحايا عن حقوقهم، وإطلاق الجناة.
هذا الأسلوب في التعامل مع حوادث الاعتداء على المسيحيين، خاصة في صعيد مصر، تحول مع الوقت إلى ما يشبه عقيدة، يتم تنفيذها بتلقائية، وهو ما كان يشجع الإخوان والسلفيين على تكرارها، لأنه يقوي شوكتهم، ويعزز هيبتهم وسطوتهم، ويحققون مكاسب أخرى من ورائها، بعضها شروط تمنحهم امتيازات، وأخرى تجعل من سلامة المسيحيين، وممارستهم صلواتهم وكأنها منحة أو تنازل من التكفيريين، عليهم أن ينالوا المكافأة عليه، وهو ما يحدث غالبا، إما بفرضهم اتاوات على بعض المسيحيين، أو بمنحهم حرية الدعوة والحركة، وربما تركهم يسيطرون على الكثير من المساجد والأنشطة الخدمية، التي تغذي نفوذهم.
إن ما نراه أو نقرأ عنه لما يحدث في عدد من محافظات الصعيد ليس سوى جزء يسير من ملف مليء بقصص مأساوية، وهو ما يجري التكتم عليه غالبا درءا للفتنة، لكن هذا الملف يظل ينفث سمومه، ويزيد من حالة الاحتقان، بل إن التعتيم يجعله عرضة للمبالغات والشائعات التي تلهب المشاعر، وتجعلها عرضة للانفجار في أي وقت.
كان للكنيسة دورها في تكريس هذا الواقع المؤلم، فالآباء يجدون شعبهم قد تحلق حولهم طلبا للأمان، ويرون أنه كلما زاد الاضطهاد زاد تقرب المسيحيين إلى الرب، وزاد إقبالهم على الصلاة والاستماع إلى المواعظ، ويستعيد القساوسة ذكرى المسيح في طريق الآلام، وكيف أنه حمل صليبه ليفتدي ذنوب البشر، رغم كثرة خطاياهم.
هذه صورة ثلاثية الأبعاد لما يحدث في صعيد مصر وغيره من مدن وقرى مصر، وهي صورة لا تنسجم مع الدولة المدنية، بل هي نقيضها، وتجعلنا ندور في حلقة مفرغة من أعمال العنف التي تصل عادة إلى الفتنة الطائفية، التي تهدد نسيج مصر، وتعريه للتدخلات الخارجية والمؤامرات.
لقد نجح شباب الأقباط في كسر هذه الحلقة اللعينة، وشاركوا بجسارة وفاعلية في ثورتي 25 يناير و30 يونيو، وكان من المأمول البناء على المنجزات التي تحققت في أعقابهما، لكن أطرافا أخرى تحاول في إعادة المشهد إلى سابق دائرته الجهنمية، التي تعيد إنتاج الأزمة، وليس إيجاد مخرج لها.
إن الحل لا يكون بتبريد السطح، ليبدو هادئا، عن طريق مجالس صلح أو محاكم عرفية تنتقص من سيادة الدولة، وتحطم ما تبقى من هيبتها، والمؤسف أن بعض رجال الدولة يشاركون في هذه الحلول الخاطئة، أو على الأقل يباركونها، أو يغضون البصر عنها، لكن نتائجها سرعان ما تصدمهم، باتساع بؤر التوتر، وزيادة حدته إلى حد الانفجار.
عن جريدة "الاهرام" المصرية
























