بقلم – جمانة مصطفى
أمام الخمارة في شارع الباعونية وقف الرجل الستيني المخمور لأكثر من نصف ساعة يشتم ويلعن ما وضعه الخمر على لسانه، متمكنا في بلاغة قلّ مثيلها من رسم المقدسات في أوضاع جنسية لم نرها في الكاماسوترا.
خلال هذه الأكثر من نصف ساعة، جاء أولاد الرجل الغاضب واحدا تلو الآخر محاولين جرّه للسيارة، لكن الرجل لم يكن ليكترث للحجم المهول الذي وصلته حيواناته المنوية المهذبة وهي تحاول السيطرة عليه.
هذا المشهد الفضائحي العادي جدا حدث أمام خمارة تاجر البندقية الواقعة إلى جانب أحد مقاهي الشارع.
ويقال أن بائع الخمور الشهير كنّي بهذا الاسم لأنه ومنذ سنوات شاهد شابا مدينا له بمبلغ من المال يسير أمام الخمارة، فما كان من الشاب إلا أن هرب مذعورا، فركض التاجر وراءه متوعدا إياه وصارخا "والله لأقطع من لحمك قطّيع يا كلب".
فذهبت مثلاً..
في الأثناء مرّ صبي لطيف يحمل مجموعة من الأوراق الإعلانية البيضاء، وقد حرص في أمانة متناهية على وضعها تحت كل مسّاحات السيارات في الشارع.
وللصدف، فقد قررت كاتبة مصابة بتسمم غذائي أن تغادر السرير وتخرج لأحد مقاهي الشارع في هذه الظهيرة، لتستثمر حالة الهلوسة وارتفاع الحرارة لتكمل نصا طريفاً كانت قد بدأته حول ردة فعل حبيبها في حال قرّرت إجراء عملية تحول لرجل.
القطة النصف شقراء نصف بيضاء الجالسة على السور لم تحرك ساكناُ، وكأن أي شيء حولها أقل اعتيادية من أن تهز له ذيلها.
أبو محمد: الرجل المتديّن الذي يعمل في تنظيف السيارات كان قد مرّ في الشارع بعد انتهاء الفضيحة وصعود الرجل للسيارة، ولو كان شاهد المنظر لملأ الشارع تهليلا وتكبيرا واستهجانا. لكن ولسوء حظه فقد فاتته قصة كان ليرويها لكل زبائنه حول أضرار الخمر وقلة الدين، لكنه اكتفى بإتلاف أوراق الإعلانات التي وزعها الصبي اللطيف على السيارات.
لا يبدو أن شيئا مهما سيحدث لاحقاً. الرجل المخمور غالبا يغط في نوم عميق الآن، القطة على حالها، تاجر البندقية على حاله، الصبي اللطيف على حاله، الكاتبة على حالها، وأبو محمد انتهى للتو من مسح غبار السيارات فيما يسميه تنظيفا.
كل شيء يصب لصالح اللاشيء
























