وأنا أكتب المقالات الخمس الأخيرة، وهي عن أدب العودة والعائدين، (الأيام/26/4 و3 و10 و17 و24/5) أثرت السؤال عن الفارق بين أدب العودة وأدب العائدين، وأخذت أُمعن النظر في الفارق والاختلاف. فالأدباء العائدون كتبوا عن عودتهم بعد أوسلو، ولكنهم، مثل من سبقهم، كتبوا عن حلم العودة، يوم كانوا في المنفى، بل وربما يوم كانوا في الوطن قبل أن يهاجروا أو يُنفوا (محمود درويش، وأكرم هنية)، وحين نُفي هؤلاء أو هاجروا ظلوا يحلمون بالعودة، وكانت كتابتهم عن المنفى وقسوته ضرباً من التعبير عن حلم العودة (محمود شقير، ومحمود درويش أيضاً).
وحين يتبع المرءُ أكثر نتاج من عاد من الأدباء، ويمعن النظر فيه فسيلحظ أن الكتابة عن تجربة العودة لم تطغ على ما انجز من كتابات، وإن شكلت ظاهرة لافتة.
عاد، بعد اتفاق (أوسلو) كتابٌ كثرٌ، منهم من ظل مقيماً في غزة والضفة الغربية، ومنهم من أقام إقامة مؤقتة عابرة ثم عاد من حيث أتى، وصدرت لأكثر هؤلاء، إن لم يكن لهم كلهم العديد من الكتب. أصدر محمود درويش: لماذا تركت الحصان وحيداً؟ وسرير الغريبة وجدارية وحالة حصار ولا تعتذر عما فعلت وكزهر اللوز أو أبعد وأثر الفراشة وفي حضرة الغياب، وبعد وفاته صدر له ديوانه لا أريد لهذي القصيدة أن تنتهي، وأصدر مريد البرغوثي كتابين نثريين هما رأيت رام الله وولدت هناك، ولدت هنا، كما صدرت له في الخارج دواوين شعرية لم تصل إلينا، في فلسطين، ولا أعرف إن كان وليد أبو بكر كتب شيئاً عن تجربة عودته، وإن صدرت له كتب عديدة، وأصدر محمود شقير العديد من المجموعات القصصية: مرور خاطف، وصورة شاكيرا، وابنة خالتي كوندوليزا، واحتمالات طفيفة، وأخيراً أصدر روايتين هما: فرس العائلة ومديح لنساء العائلة، وأصدر أكرم هنية مجموعتين: أسرار الدوري ودروب جميلة، وغسان زقطان عربة بستائر قديمة، بالإضافة إلى دواوين شعرية، ونشر زكريا محمد روايتين: العين المعتمة وعصا الراعي، بالإضافة إلى دواوين شعرية، وكتب فاروق وادي المقالة لمدة 18 عاماً، وأصدر منازل القلب ورواية عصفور الشمس، واكتفى خليل السواحري بكتابة تحولات سلمان التايه ومكابداته، وكتب رشاد أبو شاور رائحة التمر حنة، وأصدر في المنفى سفر العاشق ورواية، وكتبت ليانة بدر، بعد انقطاع خمسة عشر عاماً، مجموعة قصصية هي سماء واحدة، وعبر يحيى يخلف عن تجربة العودة في روايته نهر يستحم في البحيرة، وأصدر بعدها روايتين هما ماء السماء وجنة ونار، وكتب أحمد دحبور قصائد كثيرة ظهرت في ثلاث مجموعات شعرية وصلنا منها هناك هنا، ولم يصلنا ديوانان آخران له صدرا في الخارج، وكتب فيصل حوراني غير عمل ومنها رواية حالة حصار، وأما الشاعر خالد درويش فإلى جانب كتابته الشعر فقد أصدر رواية واحدة هي موت المتعبد الصغير. وهناك كُتّاب كُثر عبروا عن تجارب عودتهم من خلال المقالة أو الكتابة النثرية وأبرز هؤلاء، في باب المقالة الأدبية، حسن خضر وحسن البطل.
وهكذا سيجد المرء نفسه أمام كم جيد من النصوص الأدبية التي كتبها الأدباء العائدون، وجزء منها عبر عن تجربة العودة، ولكن بعضها قارب موضوعات أخرى وفترات زمنية أسبق من العام 1993، عام توقيع اتفاق (أوسلو). وتبدو مقاربة هذا الموضوع، في مقالة محدودة الحجم، أمراً مستحيلاً، ولكن المرء يستطيع، من خلال مقاربة نصوص كاتب واحد أن يلاحظ أن الكتابة عن تجربة العودة ليست الوحيدة التي برزت في كتابات العائدين. وقد يكون محمود درويش مثالاً جيداً، فقد صدر له غير كتاب، ولم يقتصر في كتابته على الشعر، إذ زاوج ما بين الكتابة الشعرية والكتابة النثرية، وما يقال عنه وعن تجربته يمكن أن ينسحب على كثير من الكتاب.
بدا التعبير عن العودة المخيبة للآمال في أشعاره منذ أحد عشر كوكباً، واتضحت في القسم الأخير من لماذا تركت الحصان وحيداً؟ (1995)، وتحديداً في قصيدة خلاف، غير لغوي، مع امرئ القيس. وهكذا شغل الواقع الجديد حيزاً من كتابته، ولما استقر في رام الله، وهدأت الأحوال قليلاً، كتب قصائد في الحب (سرير الغريبة) وأخرى في الموت الشخصي (جدارية)، ثم عاد ليكتب شعر المقاومة (حالة حصار)، وسرعان ما كتب عن عودته إلى البروة والجديدة وحيفا (لا تعتذر عما فعلت) ـ هنا نشير إلى يحيى يخلف في نهر يستحم في البحيرة، وأحمد دحبور في وصلت حيفا ولم أعد إليها ـ. لقد وقف الشاعر على الأطلال، فقد عاد إلى الديار بعد غياب 25 عاماً ـ 1970 ـ 1995 ـ، ثم أخذ يجدد في الموضوع والشكل ويستلهم واقع الضفة ورام الله (كزهر اللوز أو أبعد) (أثر الفراشة)، وسنجد أنه سيكتب نصاً نثرياً يستحضر فيه طفولته وشبابه وخروجه من فلسطين وإقامته في المنفى ثم عودته إلى غزة فرام الله (في حضرة الغياب)، ولم يمتد به العمر ليكتب أكثر، ولكن تجدر الإشارة إلى قصيدتين مهمتين كتبهما وظهرتا في ديوانه الذي صدر بعد وفاته (2008)، وهما: طللية البروة وعلى محطة قطار سقط عن الخريطة. إنهما قصيدتان تتمحوران حول فلسطين ما قبل 1948، وما طرأ عليها من تغيرات بعد قيام دولة إسرائيل، تشبهه الكتابة عن الضفة والقدس قبل 1967 وبعد الاحتلال، فقد قارن الكتاب بين ما كانت عليه هذه المناطق قبل الاحتلال وما غدت عليه بعده (شقير والبرغوثي ووادي)، بل إننا نجد بعض الكتاب يكتبون عن فلسطين قبل 1948، كأنهم مثل درويش يريدون فلسطين كما كانت عليه ويدحضون الدعاية الصهيونية، وهو ما بدا في قصة أكرم هنية دروب جميلة. وسيكتب وادي "عصفور الشمس" عن فترة زمنية مبكرة من حياة فلسطين.
ولم يقتصر الأدباء العائدون في كتابتهم على تجربة العودة، فمنهم من عبر عنها وسرعان ما التفت إلى موضوعات أخرى (شقير) ومنهم من عبر عن تجربة العودة وتوقف عن الكتابة (السواحري)، ومنهم من غادر إلى المنفى ليواصل الكتابة عن حياة المنفى (أبو شاور) ومنهم من استحضر طفولته في المنفى وكتب عنها (خالد درويش في موت المتعبد الصغير)، بل ومنهم من لم يكتب عن الواقع الجديد الكثير، وإنما أخذ يستحضر حياة اللجوء في سنواتها الأولى، وتحديداً بعد 1948 حتى 1967 (يحيى يخلف في ماء السماء).
إن الكتابة عن الماضي الذي عاشه الكاتب أكثر من الكتابة عن واقع الضفة والقطاع، وإن تفاوت بين أديب وأديب (يحيى يخلف ومحمود شقير) يثير سؤالاً مهماً حول مدى اندغام العائدين وانسجامهم في الواقع الجديد. لماذا لم يكتب يحيى يخلف أية رواية عن رام الله أو الضفة بعد عودته؟ ولماذا كتب عن مخيمات اللجوء بعد 1948، حيث أقام في مخيم إربد؟ وحتى محمود شقير نفسه، هذا الذي عبر عن تجربة العودة في (ظل آخر للمدينة) وكتب عن القدس تحت الاحتلال في صورة شاكيرا وابنة خالتي كوندوليزا، حتى شقير نفسه حين كتب روايتيه فرس العائلة ومديح لنساء العائلة عاد إلى فترات زمنية تعود إلى 40 ق20 وما بعدها. وسنلحظ أن زكريا محمد الذي لامس رمزياً موضوع العودة في العين المعتمة يكتب عن عالم القرية الذي ألفه في طفولته، ولم يكتب عن رام الله بعد أوسلو.
شغلت فكرة الكتابة في موضوعات جديدة أذهان العائدين (هنية في سحر الحب ودرويش في حالة حصار وما قبل حالة حصار)، وقد حاولوا هذا، ومن هنا لم ينتجوا أدباً واقعياً وسياسياً وحسب، ولم يكتبوا عن العودة وحسب، وبالتالي فإن ما كتبوه ليس فقط أدب عودة، ويجدر أن يدرس تحت مسمى آخر هو "أدب العائدين"، علماً بأن بعض هؤلاء سرعان ما عاد إلى المنفى، وبالتالي فقد لا يدرج تحت مسمى الأدباء العائدين.
تجدر الإشارة إلى نقطة أخيرة هي أن تلقي أدب العائدين نقدياً تفاوت ما بين أديب وآخر، فثمة أدباء درست نصوصهم والتفت إليها، وثمة آخرون لم تنل نصوصهم الكثير من الكتابة والمراجعة والمساءلة.
























