غزة- خاص نوى- مي أبو حسنين
في الضاحية الشرقية لمدينة غزة، حي الشجاعية، يستوقفك وسط سوق شعبي تتعالى فيه أصوات الباعة والمشترين، "بيت السقا الأثري"، الصامد صمود أهل الحي الذي أضحى عنوان للشجاعة.
دخلت "نوى" بيت السقا عبر باب حديدي رمادي اللون؛ يصلها إلى "الساحة السماوية، يصفها المؤرخ الفلسطيني "سليم المبيض" وهو يقلب كتابه "البنايات الأثرية الإسلامية في غزة " الذي صدر عام 1995، بأنها معلم بارز في فلسفة الفن المعماري التراثي الإسلامي، ميزت كافة البيوت الأثرية؛ لتجلب الإضاءة والهواء في ذلك العصر.
وسط الساحة السماوية التي تزينت ببلاط رخامي تعددت ألوانه تم جلبه من جبال وسط فلسطين، توجد " مساكر" أو " مغالق" تدلل على وجود بئر. يربط المبيض تتعدد الآبار تبعا لغنى الأسرة ، فيقول" الأسر ميسورة الحال كان لديها بئران "أحدهما بئر لجمع المياه، قبل حلول موسم الشتاء، يحرص أهل البيت على تنظيف سطح المنزل بكل ما يشمل من قباب وغرف، لتنزل مياه المطر عبر المزراب إلى البئر؛ ليكون مخزن المياه في الصيف" ، يتابع المبيض " أما البئر الآخر فكان مخزن للغلال من حبوب القمح والعدس والشعير وغيرها، تستخدم كمونه لأهل البيت .
يؤكد "المبيض " أن مدخل البيت مصطنع وأن المدخل الرئيسي في الجهة المقابلة من عمارة "سعيد الشوا" الذي كان رئيس بلدية غزة في ذلك الوقت. يفند ذلك بالقول " الباب الرئيسي طوله مترين ويعكس عمارة البيت ومدخل البيت يأخذ شكل زاوية قائمة وبذلك يكون مدخل البيت معتم حفاظا على خصوصية أهل البيت" تحت الدرج أو "الحضير" نسبة إلى المثل الشعبي لها "دور و حضير" دلالة على غنى أهل البيت الذي يتفرع لقسمين شرقي وآخر غربي مما يدلل على وجود غرف للمعيشة والنوم في الطابق الثاني.
توجد " المزيرة" التي تزينت بوجود الأواني الفخارية على سطحها كان يأتي السقا "بقربة" مصنوعة من جلد العجل ويقوم بتعبئتها حتى الباب ثم تغطي ويتم إغلاقها بباب خشبي لمنع دخول الغبار والأتربة كما يسرد المبيض.
بالعودة للساحة السماوية يقابلك في صدر البيت "إيوان" لاستقبال الضيوف، وعلى الجانب الآخر تتعدد غرف المعيشة إضافة للمطبخ والحمام.
عمارة البيت تنوعت الحجارة المستخدمة في بناء بيت السقا بين ثلاث أنواع حجر الكركار أو الحجر الرملي، والحجر القدسي من جبال وسط فلسطين ونوع ثالث من الرخام من الحجارة الرومانية القديمة والأعمدة الرومانية . ويؤكد المبيض أن سقف البيت المعقود عبارة عن رمل محشو بالفخار مما يفسر برودة الغرف في الصيف ودفئها في الشتاء.
وينوه المبيض أن غرف الطابق الثاني لا يكون لها عقد بل تكون على شكل قباب، وبذلك باستطاعتنا إطلاق مسمي "قصر" على بيت السقا لأن القصور تتكون من عدة طوابق ولتقريب الصورة يؤكد المبيض أن طراز البيت الأثري في فلسطين وسوريا صورة طبق الأصل مع اختلافات في الحجم
حكاية البيت
في إيوان بيت السقا، يحدثنا أبو ناهض حلس، 85عاما، من كبار مخاتير حي الشجاعية عن أصل حكاية بيت السقا، فيقول" يعود البيت لعامل بسيط بمزرعة اسمها "الطوابين"، وكانت له قطعة أرض بجوار عمارة سعيد الشوا "، ويشير الحاج أبو ناهض إلى الحكاية من أيام حملة إبراهيم باشا لفلسطين وسوريا التي استغرقت عشر سنوات، يقوم أحد حراس الباشا بسرقة "قدرة الذهب" التي كانت تعد كرواتب لجيشه، يتابع الحاج أبو ناهض" بعد سرقتها يخفيها الحارس في مزرعة "الطوابين" التي يعمل بها السقا، ويُعدم الحارس بمدفع الباشا، وتطوى الحكاية، ويَكتشف أمرها السقا" ، يتابع الحاج أبو ناهض " يبتسم القدر للسقا، ويقرر بناء بيت يضاهي عمارة الشوا، ويطلب من بنّاء العمارة أن يشيد هذا البيت، ليغدو من الأغنياء ويتوارثوا البيت جيلا بعد جيل"
جمعية زاخر في ضيافة بيت السقا
أربعة أعوام مضت على ترميم البيت بعد استلام "إيوان"مركز عمارة التراث التابع لكلية الهندسة بالجامعة الإسلامية للبيت من الورثة، دون تنفيذ ما رسم له من استضافة مؤسسات ثقافية تحيي البيت، لكن الحرب التي زلزلت حي الشجاعية أدت لاستيلاء نازحين الحي على بيت مؤسسة زاخر، ليستقر بها الحال في بيت السقا. "
تقول أم سامر حلس رئيسة مجلس إدارة جمعية زاخر لتنمية قدرات المرأة الفلسطيني" أشعر براحة كبيرة، خاصة بعد خروجنا من الحرب، كنا بحاجة ماسة لهذه الأجواء لطرد الطاقة السلبية" تضيف أم سامر" أن جمعية زاخر فكرة رائدة لخدمة النساء المهمشات في حي الشجاعية والوضع ازداد سوء بعد الحرب".
تضيف ام سامر "أبرز أنشطتنا بعد استقرارنا في بيت السقا هو ربط المرأة بالتراث ،من خلال العديد من المشاريع ". مشيرة " قمنا بإحياء فعالية يوم الأرض، ويوم إحياء التراث الفلسطيني، وذكرى النكبة".
انطلاقا من دور مؤسسة زاخر في الحفاط على التراث تنوه أم سامر " قمنا بتوقيف العديد من الزوايا حفاظا على طابع البيت وعدم استهلاكه في أنشطة من شأنها تقليص عمر البيت". رسالة للأجيال في الحرب الأخيرة التي استمرت لقرابة 51 يوما استهدفت إسرائيل العديد من البيوت والجوامع الأثرية، وكان جامع "ضفردمري" المقابل لبيت السقا قد قصف، علاوة على استهداف البيت من جهة عمارة الشوا بقذيفة دبابة.
يؤكد المؤرخ سليم المبيض على أهمية استثمار هذه البيوت كنوادي ثقافية لتكون منارة تشع بعلوم الأجداد ليتورثها الأحفاد. ويشدد المبيض أن هذه البيوت "بمثابة شهادات بإزاء عدو ينافس على الأرض، لأن الأرض هي الهوية، وما على الأرض من آثار ومساجد وزوايا وتكايا ". وجدير بالذكر أن إسرائيل كقوة احتلال ملزمة ببنود حماية التراث الثقافي والطبيعي في القانون الدولي الإنساني، وخصوصا اتفاقية لاهاي لسنة 1907، واتفاقية جنيف الرابعة لسنة 1949. ويبقي بيت السقا بمثابة أرشيف لحقبة تاريخية مهمة في حياة الشعب الفلسطيني قبل الاحتلال الإسرائيلي إبان العهد العثماني، مما يزيد أهمية الحفاظ عليها كشهادة إثبات لتجذرنا هنا.
























