شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 20 سبتمبر 2026م07:49 بتوقيت القدس

سينما الرثاثة وفن الكباريهات

22 مايو 2015 - 17:16
شبكة نوى، فلسطينيات:

بقلم - صقر ابو فخر :

كان الذهاب إلى السينما في بيروت خلال حقبة السبعينيات متعة غامرة، بل سهرة كاملة تبدأ قرابة السادسة مساء، فيجلس الواحد منا مع صديقته في أحد مقاهي الرصيف في شارع الحمراء كالإلدورادو مثلًا أو الكافيه دو باري، ويطلبان بعض الطعام، ويسرِّحان النظر في الجمال والأناقة والذوق الرفيع؛ وهي العناصر التشكيلية لهذا الشارع المتوثب. وفي تمام التاسعة كنا ندلف إلى صالة السينما بهدوء ونظام وأدب؛ فلا بوشار ولا سندويتشات ولا سجائر كما يحدث في صالات الأحياء وساحة البرج.

ويستمر العرض في العادة إلى ما قبل منتصف الليل بقليل، ونكون حينذاك، ونحن خارجون من ظلام الصالة، على موعد جديد مع أنوار شارع الحمراء بعدما بات عدد الرواد قليلًا، وخف الصخب كثيرًا. وربما نجلس في أحد المقاهي لاحتساء شراب ما أو تناول قطعة حلوى. وهكذا تستغرق رحلة السينما أكثر من ست ساعات متواصلة.

أعرف أن الذهاب اليوم إلى السينما لا يستهلك أكثر من مئة دقيقة لكثير من الشبان الذين يدلفون إلى الصالة مع بداية عرض الفيلم ويخرجون قبيل شارة النهاية، الأمر الذي يشبه دخول المراحيض والخروج منها بسرعة، فلا تأمّل ولا تنعم ولا استمتاع حقيقي بالظلام حين تكون العيون كلها شاخصة إلى شاشة واحدة. ولا ألوم أحدًا في هذا المسلك الاستهلاكي لأن معظم الأفلام ما عاد لها الأثر الذي كانت تتركه في خيالنا وأحاسيسنا أفلام عظيمة مشهورة. فحين شاهدنا فيلم «زوربا» والظهر العاري لبطلته إيرين باباس مزقنا كتب الجامعة. وعندما شاهدنا «ثرثرة فوق النيل» و «الكرنك» و «العصفور» بدأ نقد الناصرية لدينا حقًا، وليس قبل ذلك، على الرغم من مقالات مجلة «الحرية» ومجلة «دراسات عربية» وقصائد نزار قباني وكتاباته في مجلة «الأسبوع العربي».

وفي هذه الحقبة ظهرت أفلام مهمة مثل «درب المهابيل» (توفيق صالح) و «ليل وقضبان» (أشرف فهمي) و «زوجتي والكلب» (سعيد مرزوق) و «الجوع» (علي بدر خان) و «شيء من الخوف» (حسين كمال) وغيرها كثير. آنذاك لم يفتننا فيلم «الدارعة بوتمكين» أو « فيلم «الحرب والسلم» (جزءان) أو فيلم «الفهد»، بل أدهشتنا أفلام مثل «زد» و «حالة حصار» لكوستا غافراس، و «سحر البرجوازية الخفي» و «شبح الحرية» للويس بونويل، و «دولتشي فيتا» و «أماركورد» و «موت البندقية» وجميع أفلام وودي ألن.

سينما المراقص

يلوح لي أن معين الإبداع والتجدد قد نضب تمامًا في السينما المصرية التي باتت أفلامها عبارة عن مشاهد صاخبة بلا ترابط، وكلام غير واضح، وأغانٍ تصطخب فيها الحركات والآلات والأجساد على طريقة الكباريهات والمراقص الرخيصة. ففي الكباريهات ضروب من التعبير الخاص بهذا المكان، وهي من متممات الحال كالرقص والغناء والعزف، وجل ما في الأمر هو إضفاء أجواء مثيرة واستجلاب المتعة والإثارة. وما يجري في الكباريه لا يُنقل إلى المنازل، تمامًا مثل لغة التخاطب في مقاهي الأحياء، فتبقى محصورة فيها، ولا ينقل الأب على سبيل المثال لغة المقاهي إلى بيته؛ فلكل مكان طريقته المخصوصة في التسلية والمتعة.

المشكلة اليوم، بحسب قدرتي على الالتقاط والتفكر، أن فن الكباريهات والكلام اليومي الساري في الأفواه في الأحياء الرثة وعلى ألسنة أبناء الأغنياء الجــدد راح ينتقل إلى المنازل من خلال الأفــلام التافهة التي تعرضــها قنوات التلفزة العربيــة. ودلــيلي أن معين الإبداع والتجدد قد نضب إلى حد كبــير في السينما المصرية هو أســماء الأفـــلام. لنرصــد ما يــلي: فيلم «اللص والكــتاب» هو اختطاف مبتذل لفيلم «اللص والكلاب» للمخرج كمال الشيخ عن رواية مشهورة لنجيب محفوظ. وفيلم «أريد خُلعًا» استــعارة من الفيلم المشهور «أريد حلًا». وفيلم «الناظــر صلاح الدين» هو استيلاء ممجوج على اسم الفيلم المعروف «الناصر صلاح الدين».

وعلى هذا المنــوال شاهدنا وقرأنا إعلانات عن الأفــلام التالية: «قصة الحي الشعبي» بــدلًا من «قصة الحي الغربي». و «فول الصين العظيم» بدلًا من «ســور الصــين العظيم». و «أحلام الفتى الطائش» بدلًا من «أحلام الفتى الطائر» . و«حبــيبي نائمًا» بدلًا من «حبيبي دائمًا». و «المش مهندس حســن» بدلًا من «الباش مهندس حسن». و «امــبراطورية مين» بدلًا من «امبراطورية ميم». وثمة فيلم بعنوان «كلبي دليلي» على نية فيلم «قلبي دليلي» لفريــد شــوقي وأغنــية ليلى مراد «أنا قلبي دليلي»، و «سامي أوكسيد الكربــون»، وهو تحويل ممجوج لمصطلح ثاني أوكسيد الكربون، و «نمس بوند» و «زكي شان» بدلًا من جيمس بوند وجاكي شان.

أقحلت

عرفت السينما المصرية ذروة تألقها مع مخرجين كبار أمثال صلاح أبو سيف وتوفيق صالح ويوسف شاهين وكمال الشيخ وحسين كمال وسعيد مرزوق الذين كانوا شوطًا متميزًا بعد هنري بركات وعز الدين ذو الفقار وحسن الإمام وأحمد ضياء الدين وعاطف سالم ونيازي مصطفى، وهم أرباب الميلودراما وأفلام المغامرات. وفي هذا الشوط اشتهر وحيد حامد وعبد الحي أديب وكامل التلمساني وصلاح جاهين في كتابة السيناريوهات المستندة إلى روايات كان لها شأن في الرواية العربية الحديثة.

وآخر اختلاجة لهذه السينما كانت على أيدي عاطف الطيب وخيري بشارة وأشرف فهمي ورأفت الميهي وعلي بدر خان ومحمد خان؛ فهؤلاء أومضوا فترة ثم انطفأوا أمام الإنتاج السعودي القبيح. وأكثر ما يظهر أثر هذا القحط في الكوميديا الجديدة التي باتت اليوم مجرد صراخ وكلام متسارع وحوادث هزيلة ومواقف تزيد العبوس في النفوس وأشخاص مخبولين ودحرجة للأجساد وشقلبة ونكات منتشرة في الشوارع والباصات والأحياء الشعبية.

لذلك لا عجب أن «تنتعش» هذه الكوميديا في أفلام محمد سعد مثل «اللمبي» وغيره، وأن يصبح محمد هنيدي وأحمد حلمي ورامز جلال وسعد الصغير وماجد الكدواني ولطفي لبيب وإدوارد أسياد هذه السينما التي تستعيد حركات محمد عوض وثقل دم محمد صبحي ووحيد سيف بدلًا من أن تــكون مرحلة جديدة في مسيرة طويلة كان من أَعلامها بشارة واكيم ونجيب الريحاني وفؤاد المهندس وابراهيم سعفان وأمين الهنـــيدي وتوفيـــق الدقن وعبد المنعم مدبولي وعادل إمام ونبيلة السيد وماري منيب. إنها كوميديا لا فن فيــها ولا ذوق ولا إبــداع، بل عيار إضـــافي من الانحطاط والمشاهد «المقلعــطة». وينطــبق ذلك إلى درجة كبيرة جدًا جدًا على البرامج الكوميدية في التلــفزيونات اللبــنانية. فانتبهوا أيها السادة.

كاريكاتـــــير