أريحا – (خاص) نوى – نهيل أبو غيث:
مع بزوغ فجر الثاني والعشرين من شباط عام 2000م، ضمت طفلتها لصدرها كأي أم تستقبل مولودها الجديد، شعرت بأن هنالك خللا ما، ولكن فرحتها بها جعلتها سرعان ما تتخلص من الفكر والشك.
تزايدت الاختلافات يوما بعد يوم، رقبتها التي لا تستقيم، وجلدها الذي يزداد جفافا، ثم نحول جسدها، علامات فارقة بالرغم من المواظبة على إرضاعها، ساور أم صالح الشك بخطر ما يهدد صغيرتها، وما إن بلغت الشهرين من عمرها دون أي تحسن يذكر ذهبت بها مسرعة إلى الطبيب الذي أخبرها بعد الفحص الدقيق بأن آلاء مصابة بمتلازمة (داون سندروم)، التزمت الصمت لدقائق محاولة إدراك ما سمعت، "قلبها سليم" بذلك القول اقتحم الطبيب الصمت، واسترسل قائلا: يجب إطعامها الخضار واللحم والدجاج بعد طحنهم ، كي تستطيع اكتناز بعض الكيلوغرامات لجسدها النحيل.
اللحم والدجاج والخضار!! كيف ذلك لطفلة لم تتجاوز الشهرين بعد من عمرها، هواجس أحاطت بالأم من كل صوب، ولاستبيان الأمر ذهبت بها إلى مشفى المقاصد في القدس، فكان التشخيص ذاته.
على الرغم من صعوبة إدراك الخبر، إلا أن هاجسها استمر بالقول أن (الاء) يجب أن تعيش. اتبعت تعليمات الأطباء، وأطعمتها (الخضار واللحوم المطحونة) إلى أن اكتسبت بعض الوزن وذهب الجفاف.
تقول أم صلاح (والدة الاء): أصبحت (شغلي الشاغل)، واستحوذت على اهتمامي فهي ابنتي وأمانة في عنقي، قطعة من جسدي وتملك قلبي، ليس ذنبها بأنها من ذوي الإعاقة، والدها كان بجانبي إلى أن تخطينا مرحلة الخطر وأصبحت بصحة جيدة.
وعن فحوصات الحمل تضيف لـ "نوى": لم يلاحظ الأطباء أي أمر غير اعتيادي ، إذ أدركت فيما بعد بأنه يتم اكتشاف الإصابة من خلال فحص الأعضاء الذي لم أقم بإجراءه حينها، ولو علمت بإصابة الجنين قبل الولادة لتمسكت به ورفضت الإجهاض مهما كلفني ذلك.
بعد أن تحسن وضعها الصحي، بدأ التفكير بالغد، كيف سيتقبلها المجتمع، ثم أين هي المدارس والمؤسسات التربوية والتأهيلية لذوي الإعاقة، وكيف ستتعلم في ظل غياب مثل هذه المؤسسات؟ أسئلة أرهقت فكر الوالدين بحثا عن إجابة لها.
آلاء عارف ناصر، (نابلسية الرحم، ريحاوية المنشأ)، الآخت الصغرى لأخواتها الأربع وأخويها، مدللة في عائلة تعرف الحب والحنو، فغمروها بهما، وجعلوها الطفلة التي يجب أن يهتم بها الجميع لتعويض النقص الذي جاء به القدر، ودمجوها في المجتمع وفي مناسباته لتكون مع الناس وبينهم.
وفي ذات السياق أوضحت أم صلاح بأنهم أحضروا لها البرامج التعليمية والبطاقات المصورة والأرقام والأشكال والألوان والأسماء، إلا أنها ما إن بلغت سن الرابعة حتى قاموا بإرسالها لروضة الأيدي الصغيرة، فتفاعلت وأحبت مشرفتها وزميلاتها في الروضة، وبعد سنتين تم نقلها لمدرسة الفرقان في أريحا، فلم تترك معلمتها جهدا إلا وبذلته، ولكن لأنها حالة خاصة في مدرسة ليست لذوي الإعاقة، كانت تحتاج وقتا أطول واهتماما فرديا مقتطعا من استحقاقات الطالبات الآخريات.
لذلك اقتضى نقلها إلى الألومبياد الخاص في الهلال الأحمر الذي كانت تزوره باستمرار لجلسات النطق، فأصبحت تزوره بشكل يومي لتتعلم كل ما يلزم، بالإضافة إلى لعب الرياضة.
تقول المشرفة سامية أبو زياد في الأولمبياد الخاص لـ "نوى": عندما استقبلنا الاء كان من الواضح جدا أنها ليست كالباقين من الناحية التربوية والتعليمية، كان أثر الأهل في تعليمها جليا، وبهذا لم تتطلب منا جهدا ووقتا في التعليم والانضباط واحترام القوانين وتطبيقها.
آلاء الفتاة المرحة، كثيرة السؤال، ابنة الثالثة عشر ربيعا، تسلقت سلم الحياة يوما بعد يوم يحيطها الاهتمام من كل صوب، إذ أن الحظ كان حليفها عندما ولدت لعائلة تقدر الإنسان وتعتني به وتحاول توفير كل ما يلزم له.
وعن تفاعلها في الصف تقول رولا سويدي مشرفتها التربوية لـ "نوى": هي فتاة نشيطة، نسبة ذكائها عالية، تحترم الآخرين، تلتزم تعليمات المجموعة، وابتسامتها تُدخل السرور لقلب كل من يقابلها.
وآلاء انضمت لألعاب القوى والبوتشي منذ سنتين، تميزت بها وشاركت في بطولة الخليل الثالثة بمشاركة كل من غزة والأردن، فحصلت على الميدالية الذهبية في سباق الخمسين مترا، وذهبية أخرى في لعبة البوتشي، في حين تأمل لها مشرفتها الرياضية سامية أبو زياد بأن تشارك مستقبلا في بطولات عربية ودولية.
عندما وصل الحديث حول الغد أصبحت الكلمات تتلعثم، والحروف غير قادرة على أن يكون لها صوت مسموع، ودموع تتوارى مدركة أنها اذا انهمرت ستخلق نهرا من المياه المالحة، اليوم أنا ووالدها على قيد الحياة تقول أم صلاح، أما غدا عندما نذهب لجوار الرحمن من سيعتني بابنتنا الغالية الاء، ونحن نعيش في مجتمع يفتقر لمؤسسات خاصة لرعاية ذوي الإعاقة؟! كانت تتحدث بمرارة وتوجس نطقت بها عيناها، إنها ابنتها في مواجهة المستقبل.
























