شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاحد 20 سبتمبر 2026م17:05 بتوقيت القدس

"حسناء غزة وشقراء بيرزيت"

عندما تطغى ازدواجية الساسة على المشهد الشبابي

09 مايو 2015 - 12:34
شبكة نوى، فلسطينيات:

غزة- خاص نوى- سمر صلاح عليوة

 وصفوها بأسوأ الصفات، انهالت عليها اتهامات يرفضها العقل ولا يقبلها الضمير، وانبرت ألسن تنال منها دون سبب سوى أنها خرجت لتقول" كفى للانقسام الذي دمر حياتنا وكفى للحصار". حنين القاضي (22عاماً) فتاة جامعية وناشطة شبابية، تسكن في حي الشجاعية بغزة، خرجت كما غيرها من الشباب الفلسطيني الرافض للانقسام يوم 29 أبريل/ نيسان الماضي، لتصبح صورتها وهي تسير في التجمع الشبابي عنواناً لذلك اليوم الذي انتهى بفض الشرطة للتجمع بحجة ضبط النظام ومنع الفوضى.

"ما حدث معي لن يزيدني إلا إصراراً على المطالبة بحقي"، قالت "حنين" وهي تهيئ لي مقعداً بجوارها، لم تكن جملتها تعني شيئاً لو لم أكن أعرفها، شابة فولاذية، تسعى بكل ما هو ممكن وما هو غير ممكن لتحقيق ذاتها.

تصر "حنين" على استعادة حقها (من وجهة نظرها)، الذي يجلب الدهشة هنا أنه من الصعب أن يفهم أحدنا قدرة هذه الشابة الواعدة على النضال من أجل المطالبة بحقوق الشباب في غزة، وهي التي تملك، كل ما يحلم الإنسان به، بيتاً أنيقاً، وأسرة ميسورة الحال، وعملاً معقولاً.

خلف مكتبها، تزحف على الجدران صور وشعارات وطنية بألوان الطيف، توحي لمن ينظر إليها أو يشاهدها أنها فتاة يملؤها حب الحياة والوطن والرغبة في التغيير.

عملت إلى جوار "حنين" في أحد المشروعات المؤقتة لفترة من الزمن، كان علي أن أتواصل معها يومياً، أورثني الأمر قناعة بأنها تملك هدفاً يسير بخطى متسارعة في طريق مستقيم، فالحياد في رأيها نظرية غريبة عن الجنس الإنساني، وتخبرنا "الحياد في المشاعر؛ لا في ظل وطن يتقاسمه فصيلان"، فعلى الرغم من صغرها؛ إلا أنك تلمس اختبارها للدنيا بعد أن حددت دورها جيداً.

قلت لها "ما تزالين في مقتبل العمر، توشك السنون أن تضيع منك على وقع مشاركاتك في التظاهرات الميدانية، فلا تضيعي ما لم يستحق الضياع في أشياء ضاعت بالأساس ولا أمل في استردادها"، أجابت وهي ترمقني بنظرة في استنكار واستغراب "على وشك الضياع"! وعادت لتسرد، بشيء من الانفعال والعصبية، ما تعرضت له بعد مشاركتها الأخيرة في الحراك الشبابي من ضرب وشتائم قذفها بها بعض مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي.

في لحظة خرجت الكلمات من فيها كالحمم "ذهبت إلى الحراك الشبابي، خرجت من وسط اجتماعي متوازن ومستقر فأبي مقتدر وأمي حنون وإخواني محبين، إلى ضرب واهانات لمجرد أنني خرجت لأطالب بحقوقنا المشروعة، أطالب بفك حصارنا، باعمار ديارنا، وبتوظيفنا أنا وأنتِ وغيرنا، لم أعرف أن الحق والمطالبة بالحياة الكريمة جريمة يعاقب عليها القانون، ما حل بنا في الحراك أورثني قسوة لا نهاية لها".

ارتفعت نبرة صوتها وهي تردد "لو أنكِ تعرضتِ لما تعرضت له، لو أن العصا كوت عظامك والشرطي يجرك بعصاه من مكانك بالقوة، ما كنت أعلم أن حياتي تسير ببطء لتستقر في جزء بعيد من الوطن يفقد فيه الشخص اعتباراته الإنسانية نتيجة مطالبته بحقوقه، ويتحول إلى رقمٍ على قائمة المخلين بالأمن والنظام".

تفخر "حنين" أنها تعرف المادة (12) من القانون الأساسي الفلسطيني، التي تقول "ضمان حرية التعبير عن الرأي نشراً، أو كتابة، أو تعبيراً شفوياً، أو من خلال وسائل الإعلام"، وتشير إلى المادة (24) التي تضمنت مجمل الحقوق الفردية والعامة المتعلقة بضمان حرية الفرد.

غزة، تلك المدينة "الملقاة" على قارعة البحر المتوسط، تحول التعبير عن الرأي فيها إلى وحشٍ كاسرٍ ينهش كل من أراد المطالبة بحقه، ويدوس بأقدامه على سمعته، والمعنيون بالأمر من سلطة ومعارضة ونشطاء وخبراء يتنازعون فيما بينهم للحصول على السلطة والنفوذ.

أطل مساء ذلك اليوم وما كاد يفعل، وبعده تلقت "حنين" اتصالات متتالية من أصدقائها وأقاربها، عندما شاهدوا صورتها برفقة صديقتها طالبة الثانوية العامة "نادين" تداولها آلاف المستخدمين لمواقع التواصل الاجتماعي، مجموعات تذم خروجهما للمظاهرة وتشهر بها بكلمات ومصطلحات بذيئة، وأخرى تحييهن على جرأتهن في الخروج والتظاهر.

تصمت "حنين" وتقول دامعة" ما أن أتصفح موقع (الفيسبوك) حتى أجد التشهير بصورتي في الحراك والنيل من شرفي بالألفاظ والتعليقات"، أجهشت بعدها بالبكاء.

"الشجاعية التي تبخترت على أرضها نخبة القسام، لا تقبل قيادة "حنين" و"نادين" ليرقصن في شوارعها!!"، هذا ما كتبه أحد النشطاء على صفحته في موقع (فيسبوك)، تعلق "حنين" على ذلك، وترى أن طريقة تداول صورتها "تشهير" بها وأنها لم تعترض لو تم تناول الصورة بالشكل المطلوب، كشابة خرجت في مظاهرة ترتدي لباساً عصرياً وتلف كتفيها كوفية فلسطينية.

تنص المادة (201) في قانون العقوبات الفلسطيني على أن مرتكب جريمة "القدح" هو كل من نشر بواسطة الطبع أو الكتابة أو الرسم أو التصوير أو بأية واسطة أخرى غير مجرد الإيماء أو اللفظ أو الصوت وبوجه غير مشروع مادة تكون قذفاً بحق شخص آخر.

تطالب "حنين" بحقها بعد كل ما تعرضت له، وتتساءل "هل القانون يأتي بحقي في الاعتداء والتشهير، أم أنه هو الآخر يتم "تسكيته" أيضاً بلاصق من حديد؟!".

سألتها عن رسالتها للمسؤولين، فقالت "كفى حصار، كفى انقسام، كفى فقر وعوز، أين حقوقنا كخريجين؟ نطالب بحقنا في العيش بحرية، يكفينا الحروب التي أنهكتنا، نطالب بإعادة إعمار بيوتنا التي دمرها الاحتلال في اعتداءاته الأخيرة، متى تنتهي مشكلة انقطاع الكهرباء وتوقف صرف الرواتب والبطالة؟ لا يوجد أي إنسان في العالم يقبل بهذه الحياة، لم السكوت إذن؟!".

 ما يثير حفيظة "حنين" وسواها، أن الأسابيع الماضية حملت صورتين مثلتا "حالة نجومية" على مواقع التواصل الاجتماعي، الأولى كانت لفتاة بيرزيت التي لا تختلف عن حنين في مظهرها وسلوكها وعبرت عن رفضها للواقع فتعامل معها من يديرون غزة على أنها مثال للفلسطينية التي تكره الظلم وتتبنى خيار المواجهة، بينما تعامل ذات الأشخاص مع حنين على أنها حالة تمرد على مشهد مثالي، وهنا وقع التناقض الذي عبّر عن انفصام عميق بين ما نطرحه عن المرأة في شعاراتنا وبين ما نعاملها به عندما تأتي لحظة الحقيقة.

 

كاريكاتـــــير