غزة – خاص نوى- دعاء فايز
على رصيف شارع الرشيد الممتد أمام شاطئ بحر غزة، تصطف عربة "روتس الغلابة"، بألوانها الجذابة، تزينها أكواز الذرة ونبات النعناع الأخضر. يقف خلفها محمد أبو عاصى، ذو الوجه الفكاهى الممتلئ بالشغف.
أبو عاصي، 27 عامًا، يعيل أسرته" ولدين وزوجه"، إضافة إلى أهله وعددهم سبعة أفراد"، انهمك في العمل منذ صغره، عندما كان والده مسجونا لدى الاحتلال الإسرئيلى.
بلدية غزة وجدت في وجه أبو عاصي الكالح، إساءة لوجه الميناء الملون والحضاري، فألقت بعربته ومحتوياتها، بحجة عدم المحافظة على نظافة المكان.
يقول أبو عاصي بأنها ليست المرة الأولى، وانه حاول الإقدام على الانتحار مرارًا، يضيف" عانيت كثيرًا، وواجهت صعوبات من أجل هذه العربة التي طاردتني البلدية بسببها، ومنعت من البيع، وتوفير لقمة عيشي".
يتابع" قامت البلدية قبل فترة بتكسير العربة، واحتجزتني، ودفعتني ثمن البلاغ 40 شيكل"، يعلق بألم" موت وخربان ديار، ناهيك عن الجمرك الذي تفرضه كل فترة، والأخير تقوم بملاحقتي لقطع رزقي بدعوى أنى افتعل فوضى بعربتي على الرصيف، ولكني فقط اهتم برزقي، فأنا لقمتي مغموسة بالشقاء".
تقول بلدية غزة على صفحتها على الفيسبوك، في تعليقها، "في المرة الأخيرة لم يحدث تكسير للبسطة كما أشيع، وما حدث هو إزالة اليافطة التي علقت وجذوع الأشجار التي أحيط بها المكان الذي يعمل فيه، وتضيف": البلدية تؤكد حرصها على المواطن وعدم منعها الباعة الجائلين طالما التزموا بنظافة المكان وعدم التوسع على حساب المصطافين من مواطني المدينة".
أبو عاصي يعمل منذ خمس سنوات على عربته، وهي بحسبه مصدر الرزق الوحيد لأسرته، وأيضًا مصدر سعادة وتفاؤل، لجميع فئات المجتمع التي يتعامل معها".
عن الاسم، يقول: "لقد سميتها" روتس الغلابا" للجذب الزبائن من المصطافين لبضاعته، نحن كلنا في القطاع غلابا"، وأيضا تيمُنا بفندق "الروتس" الفاخر، ولكن الفرق أن "الروتس" الذي أديره هو لجميع فئات المجتمع، أما فندق "الروتس" للفئة الثرية بالمجتمع ذات الدخل المرتفع جدا".
يقف أبو عاصي، وراء إنائه المشتعل على الحطب، وتنبعث منه رائحة الذرة التي يحركها ممتزجة مع رائحة شاطئ البحر، يقول:" الناس عندي يشعرون بالأمل والمرح، ويهربون من ضغوطات الحياة والعمل، خصوصا في قطاع غزة المحاصر".
يضيف" هم لا يدفعون كثيرا، فالأمر لا يكلفهم سوى 3 شيكل للشخص الواحد، أما إذا أردنا الحديث عن "الروتس" المطعم الفاخر، فالجلسة هناك تكلف الشخص الواحد60 شيكل ع الأقل، لذلك زبائني مرتاحين ماديا ومعنويا "، يقولها بشفاه ممزوجة بالسعادة والفخر.
يعد ميناء غزة المتنفس الوحيد الذي يذهب إليه المحاصرون في غزة، من واقع مأساوي وظروف اقتصادية خانقة على رأسها البطالة وسوء المعيشة والفقر، واستمرار انقطاع التيار الكهربائي، عدا عن ذلك رصيف لبيع المواد الغذائية والمشروبات لعشرات العاطلين عن العمل.
يتابع" سائقو السيارات يصطفون بسياراتهم للجلوس وشراء أكواز الذرة الصفراء، يرتاحون قليلا من عملهم، فالبحر الملجأ الوحيد لهم، حيث يستمتعون بالجلوس أمامه، وأقوم أحيانا بتسليتهم ببعض العبارت المازحة للترويح عنهم فالناس هنا مهمومة ومحتاجة لأي لحظة فرح وهذا بحد ذاته يجذب الزبائن إلى الجلوس والشراء من عندي حتى بجميع المواسم ".
يقف الطفل أحمد، 12 عامًا، بجانب عربة أبو عاصي البسيطة، يحمل على ظهره حقيبة المدرسة للتو عاد منها للعمل معه على العربة. يقول عنه أبو عاصي "يساعدني هذا الطفل، في بيع الذرة، بعد عودته من المدرسة، فهو يعيل أسرته، بعد إصابة والده بمرض أقعده عن العمل".
ويضيف:" تساعدني زوجتي بالبيت عندما أقوم بشراء الذرة من التاجر، فتسرع بتقشيرها ،وتجهيزيها، وتقوم أيضا بدعمي ومساندتي".
يتابع" دائما كانت تتمنى لو نذهب معا ذات مرة لفندق الروتس الفاخر لكن الآن ترافقني أحيانا بعربة روتس الغلابة حيث تشعرني بالعزيمة ".
يأمل أبو عاصي أن يحول عربته يومًا ما؛ لتصبح مطعما فاخرا ينافس به" روتس الأثرياء الذي تديره السيدة (الغلايني ) وهى بدورها شجعته بذلك. ويعتقد انه ليس صعبًا، "بالإصرار والسعي لهدفي أريد تطوير هذه العربة ".
























