غزة-نوى- نيفين ابو شمالة:
لا يدخر الطفل محمود "13عام" جهداً لملاحقة المارة في شارع عمر المختار بمدينة غزة، لبيع بعض الحاجيات- من علكة وبسكوتات- التي يحملها في كرتونة هي عمله الذي غادر المدرسة من أجله ليعيل أسرته المكونة من تسعة إخوة وأم إضافة إلى أب مريض.
حرمان واستغلال
محمود نموذج حي لواقع عمالة الأطفال في قطاع غزة، الذين تبلغ نسبتهم 1.5% من الأطفال، حسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2012، أطفال بعمر الزهور، يخرجون صباحاً بعيون تسابق الشمس قبل الشروق وتسهر إلى ما بعد الغروب، أملهم مبلغ زهيد يكفي لسد قوات العائلة اليومي، يتوزعون في مهن مختلفة ما بين باعة متجولين إلى مهن يدوية وأعمال خطرة، لا تتوافق مع طفولتهم.
يقول محمود ذو القميص المخطط الذي لم يغيره منذ عدة أيام:"أنا أكبر إخوتي، وعليّ إعالتهم، حتى لو كان على حساب دراستي".
أما أحمد ذو العشر سنوات والذي يقف قرب ميدان فلسطين مهموماً يحمل على كتفيه شوال ضخم من الملابس، يعرضها للبيع يقول:"في الفترة الصباحية اذهب للمدرسة واعمل بعد الدراسة حتى يوفر للأسرة قوت يومه خاصةً أن والده مريض بالسرطان" ويوضح بأنه يحب المدرسة ومستواه الدراسي جيد ويتمنى أن يكمل دراسته ولكنه يعمل نظراً للظروف الاقتصادية الصعبة.
أيمن "11 سنة" يبيع السجائر في ميدان فلسطين يوضح بأنه يقوم بالعمل لمساعدة عائلته كبيرة العدد"9 افراد" ووالده مريض بالغضروف وتبين بعد زيارة منزلهم أن والده أحد موردي السجائر ولا تحتاج الأسرة لعمل طفلها الا أن الوالد يستغله مشيراً بأنه يعلم مصلحة أبنه وحر في تصرفاته معه.
دوافع اقتصادية
يوضح محمد رفيق الكحلوت رئيس شعبة الأسرة والطفولة بوزارة الشؤون الاجتماعية وميسر شبكة حماية الاطفال أن لعمالة الأطفال أسباب منها سياسية فالحروب أدت الى زيادة عمل الأطفال والحصار المفروض على قطاع غزة الذى افقد الكثير من المعيلين مهنهم ومنعهم من دخول الخط الأخضر ، والانقسام الذى أوقف الكثير من المشاريع وزاد من انتشار هذه الظاهرة.
ويقول الكحلوت: " وتتعدد الأسباب الاقتصادية ارتفاع نسبة الفقر والبطالة،ووفاة معيل الأسرة دفع الطفل بأن يلجأ لسوق العمل لتعويض الأسرة من المورد الأساسي وتحمله المسئولية مبكراً".
ويضيف:"أما الأسباب الاجتماعية لها علاقة بالتفكك الأسري وتصدع الأسرة الذي يعتبر له دور أساسي في ارتفاع عمالة الأطفال، الموروث الاجتماعي “العادات والتقاليد" فتقوم الأسرة بجز الطفل للعمل مبررةً ذلك بناء شخصيته وجعله فرداً معتمداً على ذاته ومنتجة بالمستقبل، وارتفاع معدل الانجاب في المجتمع الغزي".
العمل.. انتهاك لحقوقه
ويؤكد الكحلوت أن عمل الطفل له آثار سلبية تنجم عليه و يشكل انتهاك لحريته وحقوقه الأساسية في اللعب والبيت الأمن والتعليم والصحة، و يفقد الطفل طفولته الناعمة، وتؤثر على توازنه النفسي فكثير ما نجد أن الكثير من الأشخاص تقوم باحتقاره والاستهزاء به والنظرة الدونية من البعض التي تفقده الثقة بنفسه، ويولد لديه سلوك عدواني.
ويشير الكحلوت الى وجود آثار صحية يتعرض لها الطفل من خلال عمله ووقوفه لساعات طويلة تحت الشمس الحارة او المطر في فصل الشتاء، بالإضافة لهناك بعض المهن كالعتالة وحمله اوزان ثقيلةتترتب عليه العديد من الأمراض ، و يعرض نفسه للكثير من الحوادث من خلال تجواله في مفترقات الطرق بين السيارات في وقت الازدحام معرضاً حياته لللموت.
أما من الجانب الاجتماعي فبين الكحلوت أن وجود الطفل لساعات طويلة خارج البيت يحرمه من توازنه الاجتماعي في المحيط الأسري ومجتمعه المحيط ويؤثر على علاقاته الاجتماعية،والجانب المعرفي حرمان الطفل من المهارات اللغوية والمعرفية ومستوى متدني من حيث القراءة والكتابة وطمس الإبداع وعدم ممارسة هواياته والإعدام مبكراً.
الوزارة والحد من العمالة
ويوضح الكحلوت أن الوازرة بالتعاون مع شبكة حماية الطفولة وبعض الوزارات الشريكة عملت على ارجاع الأطفال الى مقاعد الدراسة ومتابعتهم دراسياً، والحاق الأطفال الذين ليس لهم رغبة في الدراسة بمراكز التأهيل المهني وخاصة ذوي الأعمار 12-15، وخلق فرص عمل للآباء.
ويقول الكحلوت:"قامت الوزارة بالتعاون مع المؤسسات لتحسين الظروف المعيشية كتوفير أثاث منزلي وترميم للبيوت ومشاريع صغيرة وبدل إيجار، والمساعدات الطارئة كل وقت وآخر للأسر التي ينطبق عليها شروط الالتحاق بالحماية الاجتماعية ومستفيدة من برامج الشؤون الاجتماعية".
ويضيف:" قمنا بزيارات منزلية ومدرسية لمتابعة الأطفال ومحاولة توفير جميع المستلزمات المدرسية، والجلسات الإرشادية وتوعوية الأهالي وللطفل لإبراز أهمية ومخاطر عمالة الأطفال".
وأوصى الكحلوت بضرورة بناء جسم وطني كبير يضم الحكومة والمؤسسات العاملة في مجال الطفولة حقوق الإنسان والخيرية لعمل حملة للحد من عمالة الأطفال، ولابد من تفعيل قسم التفتيش والرقابة بوزارة العمل ومتابعة أصحاب الورش والمحلات التجارية لعدم استغلال عمل الأطفال.
وطالب بتفعيل دور الشرطة لمتابعة اولياء الأمور والأسر اللذين يرغمون ابنائهم للعمل، والتنسيق مع وزارة التربية والتعليم بمتابعتهم وتحسين المناهج التعليمية تناسب مستوياتهم.
و حسب دراسة حول "عمل الأطفال في قطاع غزة" أعدها مركز الديمقراطية وحقوق عام 2013 تنتشر ظاهرة عمالة الأطفال في قطاع غزة من الفئة العمرية المحظور عملها قانونياً ما دون 15 سنة وبلغت نسبهم 45.8% و، 37.3 ذكور ، 8.5 إناث وقد حرمت العديد من الاتفاقيات الدولية الاستغلال الاقتصادي للأطفال ومنها اتفاقية حقوق الطفل المادة "32" والتي تنص على حق الطفل في الحماية من الاستغلال الاقتصادي ومن أداء أي عمل يرجح أن يكون مضراً، أو أن يمثل اعاقة لتعليم الطفل، او أن يكون ضاراً بصحته ونموه البدني والعقلي والروحي والمعنوي والاجتماعي.
ويبدو ان هذه القضية تحتاج تضافر جهود وزارة التربية والتعليم والشؤون الاجتماعية والمؤسسات الاهلية لوضع حد لتسرب الأطفال من المدارس وانخراطهم في سوق عمل يؤثر سلباً على مستقبلهم وسلامتهم وصحتهم.
























