بقلم - خليل النعيمي
لا يمكن عزل طفرة الجوائز الأدبية عن أجندة سياسية طارئة تقوم على تفتيت الدول المركزية في المشرق العربي، ومحاولة استبدالها بهويات سياسية منبثقة من دويلات هشة، تفتقد الثقل التاريخي والثقافي والمعرفي، لكنها تتواءم مع مخططات أقطاب جغرافية جديدة تطمح إلى محو ثقل المركز القديم. على المقلب الآخر، هذه الجوائز تنهض على رغبة مضمرة في إزاحة لاوعي المبدع نحو اهتمامات أخرى تضع خطة الجوائز في صلب اهتمامه، إلا أن هذا الخطر لا يزال محدوداً، إذا ما تنبهنا إلى مراميه الفكرية، أما في حال استمرار هذه الموجة، فلن نقع مستقبلاً، على أي فكر نقدي خارج الفكر المغلق، وأكاد أقول: البائس. أتصوّر أن هذه الجوائز كارثة معرفية تحلُّ على المبدع، بعد أن حلّت عليه الكارثة السياسية، وإلا فما معنى هذا الاهتمام النقدي بالروايات الرائجة، وتزييف حضورها على حساب أعمال روائيين كبار؟ ثم لماذا تصدر هذه الجوائز من بقعة جغرافية محدّدة تكاد تكون هامشية على المستوى المعرفي والإبداعي، فيما تكتفي دولة مثل فرنسا بجائزة واحدة هي «غونكور»، بالإضافة إلى جوائز ثانوية. ألا يدعو هذا الأمر إلى أن نتساءل عن صدقية هذه الجوائز؟ وكنت منذ فترة قصيرة قد دعوت إلى إطلاق حركة باسم «من أجل أدب بلا جوائز» مهمتها معاكسة هذا التيار الاستلابي الهائل الذي يسود الحركة الأدبية في العالم العربي، التيار الذي يسعى إلى تحويل الأدب إلى سلعة للبيع، أو خلْعة، أو منحة، وتالياً ثنيه عن الذهاب إلى المناطق المحرّمة. أفهم الأدب على أنه «تاريخ الكائن الشخصي»، الكائن الذي وهبته الحياة وعياً صارماً، وأعطته طاقةً عظمى على التمرّد. ولكن، لماذا كل هذا الاستشراء ضد الجوائز من قبل الكثيرين منا؟ لأن الفضاء الإبداعيّ العربيّ تسَمَّم بما فيه الكفاية من هذه الظاهرة. ظاهرة «الجوائز الاستحواذية» التي صارت تهيمن على كل شيء، وهي لا تستحقّ. فهي لاحقة بالإبداع لا سابقة له. لكنها صارت تريد أن تسبقه. وهي بدأت، الآن، تُعْطى للمنشور منه، وغير المنشور. وقريباً ستتجاوز المكتوب (منشوراً كان أو لا) إلى ما لمْ يُكْتَبْ، بعد. هكذا سيكتَمِل مشروعها الاستيعابي للثقافة العربية، باستيلائها على «المخيّلة الإبداعية» لأجيال قادمة، و«شِراء» ما تنتجه، اليوم، هذه المخيّلة، وما ستنتجه، غداً، «بثمن بخس». ونحن صامتون!
إنها جوائز تسويق الجهل، وتعميم الأميّة الأدبية، والركاكة اللغوية، وتحطيم الكيانات الراسخة. أنوّه أخيراً، بأنني لم أتقدّم أو أسمح لناشري بأن تشارك رواياتي بهذا المزاد الذليل، ليس بسبب موقفٍ شخصي من الجوائز، بل هو موقف معرفي وأخلاقي وفكري، في المقام الأول.
* روائي سوري
























