لم تكن تتصور عائلة الفقيد بسام شاهين خضر (40 عاماً) أن والدها سيدفن مرتين لتحيا هي، كما لم يعلم أطفاله أن ثمن ما يأكلونه هو حياة والدهم، تماماً كجهلهم ولمدة ثمانية أيام متواصلة بمصيره تحت أنقاض تلال من الرمال الممزوجة ببقايا اسمنت وبعضا من الحصوات .
في حي تل السلطان بمدينة رفح تسكن عائلة بسام المكونة من تسعة أفراد، ست إناث، واثنين من الذكور، أكبرهم عشرين عاماً وأصغرهم طفلة لم تكمل عامها الثاني.
عمل بسام في بداية حياته عاملاً داخل الخط الاخضر، لكنه وكحال مئات العمل توقف عن العمل مع بداية انتفاضة الأقصى، بسبب منع سلطات الاحتلال العمل داخل الخط الاخضر لسكان قطاع غزه .
أمل بالرزق
وتقول زوجته حنان " 38عام كنا نعيش على أمل أن يرزقنا الله لإطعام أبناءنا وتلبية حاجاتهم الأساسية"، مضيفةً "بقدر الأموال الشحيحة التي يجلها لنا بسام، كنا نُسير حياتنا مع استغنائنا بالطبع لكثير من الأساسيات التي نعتبرها دون غيرنا من الكماليات ونستطيع الاستغناء عنها".
وتشير إلى أنه في بعض الأحيان كان ينفذ لديهم غاز الطهي، فتذهب إلى محطات تعبئة الغاز لتقسيط ثمنها، ولكن تعود كما ذهبت لا تعلم كيف تطهي الطعام لأبنائها، فيسعى معيل الأسرة جاهداً لتوفير ثمنها كي لا يشعر أبناؤه بذلك.
إصرار رغم المرض
وتبين الزوجة المكلومة أن الفقيد عاني من التهاب حاد في صدره جعله يشعر بتعب شديد من أقل مجهود إلا أنه كان يخاطر بنفسه لأي عمل حتى لو كان سيؤثر على صحته في سبيل تأمين حياة كريمة لأبنائه".
وتقول "لسوء حظنا نعيش بجوار أقاربنا وجميعهم موظفين وحالتهم المادية جيده ما جعل أبنائي دائما ينظرون لكل ما يملكه من بأعمارهم ويطالبوني بما يرون فاعجز في بعض الأحيان على الرد، وأحيانا اكتفي بأن أقسم لهم بأنه وقتما يتوفر لدي المال سألبي لهم ما يطمحون وأكثر".
وتضيف "مرضت ابنتي الصغيرة واضطررت أنا وهي للمبيت بالمستشفى ولم يكن مع زوجي حينها يمتلك أجرة الطريق ليصل ابنته للاطمئنان عليها (..) لقد تعبنا كثيرا .
الرحلة الأخيرة
وتروى الزوجة تفاصيل وداع زوجها فتقول "خرج بسام صباح الأربعاء في التاسع من يناير الساعة السادسة ليأخذ ولو جزء بسيط من مستحقاته ليوفر ثمن اسطوانة الغاز وطعام يوم الجمعة لكنه لم يعد".
وتستطرد "بعد خروجه تواردت أنباء عن انهيار نفق على الحدود بسبب الأحوال الجوية والأمطار التي سقطت بكمية كبيرة خلال الأسبوع، (..) لم يخطر ببالي ولو للحظه أنه ممن كانوا بالنفق إلي أن أتى احد الأقارب واخبرني أن زوجي بخير ".
وتضيف: "في البداية طمأنني أن زوجي بخير، وآمنت حينها أن هذا قدرنا ودعوت الله أن يرجع زوجي لأبنائه، فكل لحظة من الأيام التي مضت كان ابني الصغير يخرج يوميا إلي الشارع ينتظر والده وكلما اقتربت سيارة من المنزل هرع إليها ... لكن هيهات ذلك".
أيقنت حنان أن زوجها لن يأتي على قيد الحياة وأصبحت تأمل بأن تكرم زوجها بدفنه قبل أن يتحلل ولا تتبين له معالم لأنه تعب كثيرا في حياته وتريد أن تكرمه في مماته، وبعد ثمانية أيام من البحث تم العثور على جثه منتفخة غير واضحة المعالم يبلغ وزنها أكثر من مئة كيلو بسبب انتفاخها من الماء وتم التعرف عليه من خلال الملابس التي كان يرتديها .
تتحدث حنان وتسرح في مخيلتها لتستعيد أيام بالرغم من صعوبتها، إلا أن وجود زوجها بجوارها كان يهون عليها كثيرا ، تتحدث وتتظاهر أمام أبنائها أنها قويه ومتماسكة علهم يستمدون شيئا من قوتها وإيمانها بأن الخير فيما قدره الله، فتكتفي بالاستماع عندما يتحدث أحد أبنائها عن والده أو يطلب آخر مشاهدته واللعب معه .
وتنهي حنان حديثها بالقول :"ابحث عن أحد يكلف أبنائي في دراستهم وحياتهم وسأكافح لكي أجعل كل أبنائي يتعلموا ويكملوا دراستهم الجامعية لكي لا يكون مصيرهم كمصير أباهم".
























