شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم السبت 09 مايو 2026م18:17 بتوقيت القدس

بعد سبع سنوات من صدور الرواية وما صاحبها من ضجيج:

سلوى النعيمي: "برهان العسل" متخيلة ولا تُعبر عن مذكراتي

14 ديسمبر 2014 - 23:25
شبكة نوى، فلسطينيات:

حوار - محمود الغيطاني :

رغم أن الروائية السورية سلوى النعيمي قدمت الكثير من الأعمال الإبداعية، ما بين دواوين شعرية، ومجموعات قصصية، وروايات، كما قامت بترجمة العديد من الأعمال إلى العربية، إلا أن روايتها "برهان العسل" تكاد تكون هي الرواية الأكثر شهرة من بين أعمالها، حتى أنه إذا ما ذُكر اسم سلوى النعيمي في أي مكان، أو أي محفل من المحافل، فلابد أن تُذكر روايتها "برهان العسل"؛ لأنها من وجهة نظر المجتمع العربي هي الأجرأ من بين الروايات الأدبية المعاصرة التي كتبها رجل أو امرأة على السواء، وهي الرواية التي صرحت فيها النعيمي عن كل شيء يخص الحياة الجنسية، ولم تلجأ فيها إلى التلميح؛ مما جعل الكثير جدا من الدول العربية تمنع تداول الرواية داخلها، قدمت سلوى النعيمي روايات أخرى مثل "شبه الجزيرة العربية"، والمجموعة القصصية "كتاب الأسرار"، كما قدمت بعض دواوين الشعر، وتكاد تكون النعيمي هي من أكثر الكاتبات إثارة للغط من بين الكاتبات العربيات، وهنا كان معها هذا الحوار الذي أوضح الكثير مما يُثار حول أعمالها

حوار أجراه محمود الغيطاني

*روايتك "برهان العسل" تكاد تكون الرواية الأشهر في تاريخ الأدب العربي الحديث، هل تعود هذه الشهرة لقيمتها الفنية، أم لأنها الأجرأ من بين الكتابات التي كتبتها المرأة ؟

 لا تعنيني عبارات مثل "الأكثر جرأة"، و"الأكثر شهرة "، ولا يعنيني البحث عن أسبابها، أعرف فقط أن "برهان العسل" كان كتاباً ضرورياً وأساسياً؛ لأنه تناول أسئلة كانت تتردد في الفضاء العام، خافتة، في تلك الفترة، كانت كتب التراث الجنسي "عادة سرية" عند العارفين، وعالماً مجهولاً عند الأغلبية، بعد كتابي صار التباهي بالتراث الإيروتيكي العربي موضة، لا تنس أن أكثر من سبعة أعوام مرت على صدوره، وأظن أن هذه الأسئلة صارت أكثر إلحاحاً الآن مع الحرية التي صارت مطلبا مُعلناً، من دون خوف، في بلادنا العربية.

*بالرغم من أن "برهان العسل" كانت في شكل روائي، إلا أننا نلاحظ وجود قدر غير هين من أسلوب البحث التراثي، والإسلامي فيها، لدرجة تجعلها تنحو باتجاه الأبحاث أكثر من الأدب

  ربما، كان ما تقول صحيحاً، ولكني أظن أن الشكل الروائي، كما أفهمه،  يمنحني مساحة حرية يمكن لي أن أعمرها بالمادة الأولية التي أمتلكها، والتي يمكن لي أن أنسقها كما أريد، كي تخرج منسجمة، في نظري، من المؤكد أن انغماسي في تلك الفترة في قراءة كتب التراث الجنسي العربي أثر على الشكل الذي أردته للنص؛ فجاء بهذه البنية التي تستلهم كتب التراث الجنسي في التقسيم وفي الإخبار، كانت هذه الكتب والتضمينات المأخوذة منها أساسية في الرواية؛  لأن المتخيل في السرد يرتكز عليها، ومن هنا جاء هذا الشكل الهجين الذي اعتبرته الأكثر ملاءمة لمضمون الكتاب.

*تكاد تكون هذه الرواية هي تعبير عن مكنونات المرأة ورغباتها الخاصة جدا، حتى أن "المفكر"- بطل الرواية- لم يكن سوى شخصية خيالية في ذهن الراوية، ولم يكن عشيقا حقيقيا، وبالرغم من هذا رفضها قطاع كبير جدا في المنطقة العربية؛ مما أدى إلى منعها، ومصادرتها في الكثير من البلدان العربية.. هل بلغ الحد بالذهنية العربية إلى درجة منع المرأة من مجرد البوح برغباتها، حتى ولو كان مجرد بوح؟

  عن الجزء الأول من السِؤال أقول لك إنني أكتب نصاً متخيلاً لا مذكراتي، إذن، الشخصيات كلها متخيلة بقدر ما هي حقيقية داخل السرد، المفكر شخصية حقيقية داخل الرواية مثله مثل الساردة، حتى عندما تُشكك هي في وجوده، فهذه لعبة من لعب الكتابة، هو حقيقي من خلال المُتخيل، الساردة ليست أكثر حقيقية منه، تجمعهما معاً هذه الحكاية المتخيلة، لم ألتق قارئاً أو قارئة إلا وسألني عن المفكر، وهذا برهان تصديق الحكاية و وحضوره في الحكاية، في ندوة في إيطاليا، طلبت مني بعض الحاضرات رقم هاتفه، أن تكون الساردة هي أنا كان أمراً بديهياً بالنسبة للجميع، وأنني أعمل في التوثيق في مكتبة كان بديهياً أيضاً، طبعاً لم أعمل في مكتبة في حياتي ولكن كان لابد لي من حضور الكتب  في الرواية، ومن هنا جاءت مهنة الساردة في مكتبة، لم يسألني أحد إن كانت المكتبة حقيقية أو متخيلة.

   أما ما يتعلق بالرقابة فقد مُنعت الرواية في أغلب البلدان العربية، وكان أول بلد منعها هو سوريا،  وفي لبنان مُنعت   للقاصرين الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً، وهذه ليست نكتة، هي ممنوعة حتى الآن في معارض الكتب الرسمية في بعض البلدان العربية مثل الرياض، وهذا غباء بليد في عصر الإنترنت، فأنت تستطيع تحميل الكتاب مجاناً، أو مقابل مبلغ ضئيل، وهذا ما فعله القراء، بالإضافة طبعاً إلى النسخ المقرصنة في عدد من البلدان العربية ولاسيما مصر والمغرب، الرواية تُقرصن وتُطبع ويُعاد طبعها حتى الآن بعد مرور كل هذه السنوات.

*هناك شعرة فاصلة ودقيقة جدا بين الإيروتيكية والابتذال، قد لا يعيها الكثيرون، فيرون أن كل ما هو إيروتيكي مبتذل، والكاتب الذي يلجأ للكتابة الإيروتيكية قد تتحول أعماله إذا لم يكن منتهبا إلى مجرد بيت للدعارة، كيف ظللت منتبهة بحيث لا تنزلق الرواية إلى الابتذال؟

   أظن أن ما أنقذ النص هو لغته، أقول دائماً: إن  نجاح برهان العسل نابع من لغته، أظن أن الموضوع كان مُفخخاً، ولم أكن أملك إلا لغتي للنجاة من الوقوع في الابتذال، حتى في اللغات الأخرى التي تُرجم إليها كانت تلك ملاحظة أولى قالها النقاد والقراء، أعرف أن لغتي هي درع حمايتي، أعرف أنني يمكنني الكتابة في أي موضوع، وأن لغتي تحميني من أي سقوط، درست اللغة العربية في جامعة دمشق على شيوخ وعلماء كبار،  تعلمت منهم السيطرة على القواعد والدقة في التعبير والبعد عن الثرثرة والحرص على التكثيف والابتعاد عن الميوعة العاطفية، أظن أن الانتباه إلى هذا كله بالإضافة إلى تراكم التجربة الكتابية خلق لدي أسلوباً خاصاً بي، هو بَصمتي في كل ما أكتب، أدعي ذلك، أقولها أنا  عن نفسي وعن كتابتي، "نقدا ذاتيا"، ربما كان على  الآخرين أن يفتوا في هذا، ولكن أغلب النقاد العرب مشغولون بفصفصة الأعمال الإبداعية الأجنبية؛ ليقدموا لنا في الصحافة أطروحات تفصيلية عنها، وعاشت الترجمة والاقتباس المبسط، ما عليك إلا أن تقرأ ما كُتب عن "باتريك موديانو" من مقالات بعد جائزة نوبل؛ لتكتشف عدد الخبراء المختصين  الذين نبعوا فجأة من كل فج غير عميق، اعطني ناقداً صحافياً يتناول كاتباً مثل إدوار الخراط من خلال كل رواية كتبها  بمفاهيم نقدية محددة وبأفكار وقادة خلابة، كما تسيل قرائحهم النقدية عندما يكتبون عن الأسماء الأجنبية، نحن الذين نكتب بالعربية لا نستحق أن يقفوا عندنا ويحللوا كتبنا، يكتفون بعبارات إنشائية لا تعني شيئاً، وتصلح لكل كتاب ولكل كاتب.  

*ما السر في مهاجمة الناقد جابر عصفور للرواية واعتبارها مجرد أدب مبتذل، يهدف إلى مجرد الظهور والشهرة، رغم أنه المناصر دائما لحرية الإبداع؟

   هذا سؤال توجهه للناقد وليس لي، سؤالي أنا: هل كتب الدكتور نقداً عن كتابي؟ لا أظن ذلك، اشتكى من احتفاء الغرب بي؛ لأنني على حد زعمه، أخذت مكاناً تستحقه كاتبات عربيات يعتبرهن أفضل مني، هذا مضحك، طبق الدكتور  جابر عصفور، الناقد الأدبي، قانوناً تجارياً على الكتابة، طبق قانون "غريشام" الذي يعود إلى القرن السادس عشر،  "العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة"، على الأدب، العملة الرديئة هي كتابين، والعملة الجيدة هي كتب الأخريات ممن يصطفي، لا أدري إن كان الدكتور يعرف أن هذا القانون لا يمكن أن يكون صالحاً إلا في نظام سيطرة الدولة على سعر العملة، أما في عالم تبادل حر فإن مثل هذه القوانين تتزعزع وتنهار، العملات الرديئة والجيدة لها  قواعدها ومختصيها، ولها قيمها المختلفة تماماً، نحن هنا في دنيا الكتابة، وهي رحبة تتسع للجميع، والحرية هنا لها دور آخر، لا أحد يستطيع فرض سلطته المنصبية، ولا أحد يحتل مكانك عندما تستحقه، لاسيما على مستوى دور النشر في العالم،   كتابي فرض نفسه بموضوعه، وأسلوب كتابته، هنا لا واسطة، ولا رشوة، ولا محسوبية، ولا علاقات شخصية من أي نوع كانت.   

*هل "برهان العسل" مجرد صرخة رافضة في وجه مجتمع ذكوري يصمم على كبت المرأة ورغباتها، أو حتى التفوه بما تريد؟

    أظن أن كتابتي ليست صراخاً، ما حاولت قوله في الرواية هو، أن حريتي تنبع من انتمائي إلى ثقافة حرة، كان سهلاً أن يُرفض الكتاب في العالم العربي؛ بحجة أنني امرأة مُستلبة تعيش في الغرب مبتورة عن ثقافتها لو كتبت بالفرنسية من دون اللجوء إلى التراث العربي،  كتبت بلغتي العربية متوجهة إلى قارئ عربي؛ لأقول إن الغرب لم يحررني، بل جئت إلى الغرب حرة؛ لأنني أنتمي إلى ثقافة حرة، ربطت الحرية، والحرية الجنسية تحديداً بالتراث العربي الإسلامي من خلال المقاطع التي أوردتها من الأحاديث النبوية ومن الكتب الجنسية القديمة.

   يبدو لي أن هذا الربط كان بؤرة خطورة الكتاب، ومن هنا جاء منعه، كتبتُ هذا في الوقت الذي كان يتبارى فيه بعضهم في وصم الثقافة العربية الإسلامية بالاستبداد، والعنف، واضطهاد المرأة، واحتقار الجسد.

*نلاحظ في روايتك أن متنها هو التراث العربي، بينما جاءت حكاية الراوية مع المفكر مجرد هامشا لها، كما أنك حرصت على تقسيم الرواية إلى إحدى عشر بابا، كما يرد في الكتب التراثية تماما؛ مما يوحي لي أنك كنت تمارسين لعبة لغوية وفنية في المقام الأول، أكثر مما كنت تمارسين فعل الكتابة اللاوعية

الكتابة عندي لا يمكن أن تكون إلا واعية..لا أعرف الكتابة اللاواعية

*كتب أحد الكتاب الذي يدعى محمود القاعود على مدونة "عرب تايمز" مقالا بعنوان "برهان العسل .. عندما تتحول المومس إلى أديبة" يهاجم فيه روايتك من منظور أخلاقي وسلفي متشدد، ووصفك بأوصاف لا تعدو أن تكون سبا، كيف يمكن مواجهة هذا الفكر الرافض لكل ما يخرج عن إطارهم الفكري؟

   كانت الشتائم كثيرة ومتنوعة من هذا الشخص ومن غيره، هل قرأت ما كُتب في الصحف السورية عن الكتاب؟ هذه وحدها حكاية، تحولت الشتائم إلى تهديدات صريحة أحياناً، ولكنني لم أتوقف عندها، ولم أتاجر بها لا في الشرق ولا في الغرب.

*هل ظلمتك هذه الرواية واختصرت مشروعك الإبداعي بالكامل فيها؟

   كتبت قبل برهان العسل وبعده، وأتابع الكتابة، لقد جاء بعد عشرين عاماً من العمل في الصحافة الثقافية، وخمس مجموعات شعرية، ومجموعة قصصية، وكتاب يجمع مقابلات مع روائيين، وشعراء، ونقاد أحبهم منهم نجيب محفوظ، وفاروق عبد القادر، ولطيفة الزيات، إذن كتبت الرواية وأنا معتمدة على تجربة مكثفة، الكتاب لم يأت بالمصادفة، ونجاحه المفاجئ للآخرين كان بالنسبة لي نتيجة طبيعية لعملي على لغتي، وانهماكي في القراءة، والقراءة، والقراءة.

   كان  برهان العسل هو الكتاب الذي لفت النظر إلى كتابتي، وأوصلني إلى القارئ، وهذه أكبر هدية  يحلم بها الكاتب،  لقد وصلت إلى القارئ العربي أولاً، ونجاح الكتاب في العالم العربي هو الذي لفت نظر دور النشر في العالم، جاءت الترجمات العشرون من دون أن أسعى إليها، لم أتسول الترجمة، ولم أشوه مواقفي وأفكاري، ولم أدفع مالاً، ولم تدعمني سفارة، وكان كتابي، في حقوق ترجمته، من أغلى الكتب، أزهو بأن هذا النجاح كان سببه الأول والأخير هو الكتاب نفسه، وسلسلة من المصادفات الصغيرة التي تعيشها في ظروف نشر هذا الكتاب، التقيت القراء في عشرين بلداً من اليابان، إلى الولايات المتحدة الأميركية، مروراً بتركيا، واليونان، والبرازيل.

   برهان العسل ثمرة ما عشت قبله، وما تلقيت قبله، وما وعيت قبله، وما تعلمت قبله، برهان العسل لم يظلمني، بل هو مكافأتي التي يتمناها كل كاتب في مسيرته الكتابية؛ كي يتابع عمله مع بعض الثقة من أن في هذا العالم من يمكن له أن يقرأه، بل وحتى أن يستمتع بقراءته.

مجلة البوابة عدد 15 ديسمبر 2014م

كاريكاتـــــير