ضحيتا المنخفض الجوي صدمة لم يتمالكها الكثيرون بعد
هناء وسماح .. حياة جميلة، وموت موجع
نوى (خاص) - ولاء خضير، فرح كيلاني
لم يكن يوم الأربعاء 9 من "كانون الثاني" الجاري يوما عادياً، فبحلول الصباح انتشر بين الناس ذك الخبر المفجع "تم إيجاد جثتي الفتاتين المفقودتين هناء سراوي 24 عاما ، وسماح كنعان 34 عاما" بعد ان غرقت سيارة كانت تقلهما من مكان عملها في شركة للتأمين. وكان الخبر نفيا لآمال كل فلسطين التي أملت العثور عليهما سالمتين.
" هناء درست في كلية الإقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة النجاح الوطنية"، يقول والدها سمير سراوي وهو يتمالك أنفاسه والدموع تغرق وجنتيه " هناء ابنتي مفعمة بالحياة والأمل، ذكية ومحبوبة، وتعشق الأطفال ، فتاة حالمة، كان عملها في شركة للتأمين يأخذ الكثير من وقتها وكانت سعيدة بذلك ".
هناء تكبرها شقيقتان وأخرى أصغر منها، كانت قبل أيام معدودة من مصرعها تحتفل بعيد ميلاد ابن إحدى شقيقاتها، وتشاركهم الفرحة بكل ما بها من أمل وسعادة، ولم تكن تعلم أبدا أن الموت سيأخذ بها حتما وأنها تشاركهم الاحتفال لآخر مرة.
في صفحة هناء نشرت إحدى صديقاتها صورة محادثة لها مع هناء في يوم الحادث، غصة في قلبها وتقول " هنا كانت آخر محادثة لنا، كانت هناء تحادثنا على برنامج للرسائل في طريقها بعدما انتهت من عملها في تمام الساعة الرابعة والنصف، هناء أخبرتنا أنها خائفة وأن السيول والطريق مخيفة، وأخبرتنا بأنها سوف تتأخر وسيطول مجيؤها بسبب ذلك، لكنها أطالت كثيرا واستعجلت الرحيل ولم تعد كما وعدتنا ".
سماح أيضا درست في كلية الإقتصاد والعلوم الإدارية في جامعة النجاح الوطنية، وكانت تعمل في شركة ترست للتأمين منذ سنتين، جمعها مع هناء عمل واحد وزمالة جميلة، وجمعها غرق مفجع أودى بحياتهما.
تقول شقيقة سماح المحامية (رولا كنعان) بعدما استقبلوا خبر وفاتها بصدمة لم يصدقوها، فقد تمسكوا بأمل لآخر لحظة أن يتم العثور على سماح. وهي تلتقط أنفاسها تتابع:" سماح كانت مثالاً للفتاة الصبورة، والعطوفة، والحنونة، تقتطع من راتبها لمساعدة الأطفال الأيتام فكفلت فتاة يتيمة في مؤسسة للأيتام، وكانت فتاة مؤمنة بصدق، ومتعلقة بوالدتها إلى حد كبير. سماح تركت وراءها أسرة تتنظر على أحر من الجمر يوم زفاها، فكانت مخطوبة منذ ما يقارب الشهرين لشاب من المدينة ويسكن في الولايات المتحدة، ولم نعلم أنها ستتوشح بالكفن الأبيض بدلاً من ثوبها الأبيض".
وتضيف (رولا) في أخر كلمتها: " الحمد لله على كل شيء، فالله أكرمنا بأن توفت سماح شهيدة، فإلى آخر لحظاتها كانت تمسك المسبحة بيدها وتستغفر الله كثيرا، وصبرنا وقفة الناس إلى جانبنا وبدعائهم "
شركة ترست للتأمين والتي بدأت الفقيدتان العمل بها منذ فترة قصيرة بتغيير صورة"الكوفر" في صفحتها على موقع التواصل الإجتماعي الى صورة كتب عليها "حداد" وذلك فور إعلان الخبر، وأحاطت صورة "البروفايل" - شعار الشركة - بشريط أسود، ووضعت في تلك اللحظة صورة الفقيدتين (هناء وسماح) معلقة عليها:" لقد أبا هذا الشتاء إلا أن يقتلع زهرتين من أزهار ترست و فلسطين". إضافة إلى أنها أعلنت لموظفيها وجمهورها أن اليوم التالي سيكون يوم حداد تام على روحيهما.
السائق وحكاية لم تروى
نجا (خالد خضير -27 عاما) من حادث محتم للموت. وخالد يعمل سائقا في تكسي رفيديا وكان ينقل الفتاتين من مكان عملها في شركة ترست للتأمين في طولكرم إلى مدينتهما نابلس لمدة سنة كاملة، وذكر أنه في ايام كان ينقل معهما فتاة أخرى وشاب، ولكن القدر نجاهما في هذا اليوم .
وأجابنا بالنفي إن كان لاحظ سوء الطريق وأنها غير معبدة، وقال:" هذا اليوم الأسود أتى بمنخفض شديد ومخيف لم يمر علينا من قبل". وكان يصف ما حصل بعيون تكاد تدمع:" هناء كانت خائفة جدا، كانت تبكي طوال الطريق، أما سماح فكانت مطمئنة وهادئة، بل وكانت تمسك الجوال بيدها وتصور في الاتجاهين، وتلتقط صورا للمشاهد والسيول المخيفة، لكنها لم تكن تعلم بتاتاً أنها ستكون الذكرى وليست الصور ".
ويكمل السائق بملامح المصدوم الخائف: " لم أتردد في ذلك اليوم أن أخرج من البيت ، فالجو صباحا كان في حالة صحو، وما لبث أن تغير فجأة وبشكل سريع، واختلف الطقس، منسوب المياة كان عادياً وارتفع فجاة وزاد كثيراً " .
وصلت سيارة الأجرة قريبا من حاجز " عناب " القريب من بلدة عنبتا، وكان أمام السيارة شحن كبير وباص صغير يقل سبعة ركاب، وقال (خالد) بأن السيارات أمامهم كانت تغرز بالماء والوحل، لكنهم كانو حالة خاصة فهم أقرب إلى الوادي، ومنسوب المياه غمر السيارة بالكامل، وعندما رأى السائق بأن المياه تغمر السيارة؛ أراد تدارك الموقف واستغلال الوقت، فأدار السيارة ليعيدها للخلف.
يقول خالد : "عندما أدرت السيارة لأعود للخلف إلا أن المياه غمرت السيارة بالمياه بشكل أكبر، وارتفع منسوبها حتى صارت على ارتفاع 60 سم، والمياه كانت تحرك السيارة، وتدفعنا باتجاه واد قريب من الحاجز، شعرنا بخوف شديد وقررنا النزول من السيارة، وأذكر في تلك اللحظات أن هناء وسماح كانتا على تواصل تام مع أهلهما على الهاتف وأبلغتاهم بأننا قررنا النزول من السيارة وأن يقوموا بالدعاء لهما بالخير، وبعد ذلك قطع الاتصال".
"المياه وصلت لمستوى المقود وبشكل سريع إلى أغرقت الكراسي بالمياه"، يقول السائق " فتحت الباب ونزلت بصعوبة والسيارة كانت تتحرك بفعل شدة السيل وقوته ، سماح كانت جالسة بالكرسي الخلفي فتقدمت إلى مقعدي وخرجت من جهتي، وهناء فعلت المثل، وأعادت حقيبتها التي كانت تحملها إلى الكرسي وأغلقنا باب السيارة، كنا خائفين بأن تنقلب السيارة علينا، وفجأة سحبت المياه رجل هناء، كنا نحن الثلاثة نتمسك ببعضنا البعض وكنت أشد على أيديهما لكي لا يجرفنا السيل، لكن هناء سحبتها المياه قليلا وخفة وزنها لم تمكنها من تثبيت قدميها في السيل، ولكنني شددتها بيدي وأعدتها لجانبنا، وفجأة التوى كاحلي وفقدت توازني وتزحلقت لتسحبني المياه وهبطت بي هاويا إلى أسفل الوادي، ولم أعلم عن هناء وسماح أي شيء، هل بقيتا مكانهما في تلك اللحظة أم غرقتا" .
ويكمل وصف المشهد لنا مرتجفا، وبعض الكدمات الخفيفة ظاهرة على وجهه وفمه " سحبتني المياه بعيدأ، وصدمت بي الكثير من الحجارة والأشياء، ولولا قدر الله لصدمت بصخرة كبيرة كانت لتودي بي، وكنت أشعر بالأرض وأن قدمي تلامسها. جرفني السيل بقوة وسحبني مسافة تقارب الثلاثة كيلو مترات، جمعت قوتي وحاولت الزحف فكانت الحجارة الصغيرة ترتطم بي، ثم وجدت (لوح خشب) جلست عليه لأكثر من ساعة وأنا أنادي مستنجدا أي أحد يمكن أن يكون بالمكان، ثم انتبهت إلى سيارة مارة ركزت الضوء علي، ونادى صاحب السيارة بالناس لمساعدتي، حينها جاء ثلاثة رجال بحبال وربطوني بها وربطوا أنفسهم ونزلوا بإتجاهي، ومع ذلك كاد أن يجرفنا السيل لشدته وقوته، حتى تمكنوا من إخراجي، فأخبرتهم بأن معي فتاتين ليبحثوا عنهما، وكان في انتظاري سيارة دفاع مدني أوصلتني إلى مخيم (نور شمس) ثم نقلت إلى مستشفى ثابت ثابت.
كما ذكر قريب للسائق خلال مقابلتنا له أن الارتباط أعلن أنه وجد (فتاتين) فاطمأن الجميع، وتوقف البحث عن هناء وسماح، ولكن الفتاتين اللتين وجدوهما لم تكونا هناء وسماح.
وينهي السائق (خالد) : " كانت اللحظات تمتلئ خوفا وصدمة، ورأينا الموت بأم أعيننا، ولم يكن حتى هناك مجال للتفكير أو للتخطيط لكيفية الخروج من هذه الكارثة، فسرعة السيل وقوته كانت أسرع من تفكيرنا، ووحدها إرادة الله كانت منقذة لنا في تلك اللحظات، وأذكر هناء وهي تتمتم من الخوف، لكني لا أستطيع تذكر ما الذي كانت تقوله، كنا بوضع كارثي حقا ".
هكذا تُصر الكوارث الطبيعية دوما على تذكيرنا بقوتها، وهناك وسماح كانتا من ضحايا سيل جارف صب الفاجعة في قلوب الفلسطينيين جميعا، حين لم تشفع صلوات الجميع لهما إلا أن تكونا "شهيدتي الكارثة".
























