شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2026م11:35 بتوقيت القدس

الاستيطان يصادر مستقبل الدولة ..

26 اكتوبر 2012 - 21:50
هانى عوكل
شبكة نوى، فلسطينيات:

لا تخلو الصحافة في هذه الأيام ومنها الإسرائيلية، من طرح تقارير وأخبار تتناول اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة الغربية، وعمليات النهب الاستيطانية، سواء تلك الأراضي التي تغير عليها جرافات الحكومة الإسرائيلية، أو المستوطنين الذين يعيثون في الأرض الفلسطينية نهباً وفساداً.

أشكال الاعتداء الاستيطاني تأخذ أبعاداً مختلفة، وبالفعل تشكل تهديداً للفلسطينيين في الضفة، خصوصاً إذا كنا نتحدث عن حكومة إسرائيلية مؤلفة من أحزاب يمينية، هي قريبة إلى كونها حكومة مستوطنين، ترعى الاستيطان وتخدم هذا المشروع الذي يهدد سلامة البشر والجغرافيا الفلسطينية.

لا نتحدث هنا عن أعمال فردية تقع في هذه المنطقة الفلسطينية أو تلك، إنما الحديث يجري عن جرائم تقع يومياً وباستمرار، وتأخذ طرائق استهدافية مختلفة، ويجري التستر عليها وعدم محاسبتها، لكون الجهة التي تسكت عن أفعالها وأعمالها، تخدمها من حيث الأفكار والتوجهات العنصرية والمتطرفة.

ولعل كل هذه الاعتداءات غير المبررة، تعبر بشكل أو بآخر عن الموقف الإسرائيلي العام من الاستيطان، ذلك أن المفاوضات مع الفلسطينيين توقفت بسبب الاستيطان، ولأن إسرائيل ترى بأن تواصل الاستيطان وتوسيع هذه النشاطات تصب في خدمة مشروعها الأكبر.

كيف ذلك؟ إسرائيل تدرك منذ أوسلو أن هدف الجانب الفلسطيني يكمن في قيام الدولة المستقلة، لذلك كان لابد من المخطط الإسرائيلي أولاً، إعادة الانتشار في قطاع غزة واللعب على التناقضات الداخلية الفلسطينية لتدعيم الانقسام وهذا حاصل في الأساس، وثانياً الاشتغال على وتيرة تصاعدية، تستهدف نهب الأراضي الفلسطينية في الضفة والقدس الشرقية، وضرب الفلسطينيين بالذراع الاستيطانية.

ثم إن حكومة مكونة في أغلبها من اليمين في يساره وأقصاه المتطرف، وعلى رأسها مراوغ مثل نتنياهو وعدواني للغاية مثل ليبرمان، هل هذه الحكومة ستصنع السلام مع الفلسطينيين، وهي التي كرست في الأساس هذا النهج الاستيطاني الذي يقوم على عنصرية مفرطة ضد كل ما هو فلسطيني؟؟

إذا جئنا للحقيقة، يمكن القول إن الحكومة وقطعان المستوطنين يستندون في فعلهم الاستيطاني، إلى تقرير أعده ثلاثة قضاة على رأسهم القاضي السابق لدى المحكمة العليا أدموند ليفي، هذا التقرير الذي صدر في يونيو الماضي وحصل نتنياهو على نسخة منه، أوصى بتشريع المستوطنات العشوائية في الضفة.

التقرير الذي أمر نتنياهو القائمين عليه لدراسة وضع الاستيطان العشوائي في الضفة، نفى أن تكون إسرائيل دولة عسكرية، واعتبر أن المستوطنات العشوائية بنيت بموافقة الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وهذا يشكل دليلاً على عدم الممانعة الحكومية من فكرة إطلاق اليد الاستيطانية ضد الفلسطينيين أيضاً.

الطامة الكبرى أيضاً، أن التقرير الذي نشره موقع "فرانس 24" قبل ثلاثة أشهر، وأعادت "الأيام" طرحه استناداً إلى معلومات جديدة، اعتبر بأن "اليهود لديهم الحق بالإقامة في أي مكان من الضفة الغربية، خصوصاً في القطاعات الخاضعة لسيطرة إسرائيل، وذلك بموجب الاتفاقات الموقعة مع السلطةالفلسطينية".

نتنياهو الذي دعا إلى إجراء انتخابات مبكرة، من المرجح أن يعتمد تقرير القضاة حول الاستيطان، لأنه يدرك سلفاً بأن كسب ولاء المستوطنين والجمهور اليميني سيعني الفوز مرةً أخرى بمقعد رئاسة الوزراء، وربما هذه المرة سيحقق اليمين انتصاراً كبيراً في الانتخابات المقبلة والمقرر إجراؤها أواخر كانون الثاني من العام الجديد 2013.

إذا وجهنا نظرنا ناحية الميدان، سنجد أن الحكومات الإسرائيلية بكل أطيافها، تنظر بتسامح إلى البؤر الاستيطانية، وأكثر من ذلك تقوم بترسيم البؤر والتجمعات الاستيطانية، وتعطي الضوء الأخضر لمواصلة التوسع الاستيطاني الجغرافي والديمغرافي، مشمول ذلك باعتداءات المستوطنين المتطرفة بهدف تشتيت الهوية الفلسطينية ودفع الفلسطينيين إلى مواقع أكثر أمناً، عبر التخلي القسري عن أراضيهم.

حتى أن الهدف من بناء الجدار العنصري على الأرجح، لا يتصل بمجرد منع المقاومة من الوصول إلى ما يسمى العمق الإسرائيلي، وإنما الهدف الأساسي يتصل باستكمال النشاط الاستيطاني عبر تحويط والتهام المزيد من الأراضي الفلسطينية لصالح إسرائيل.

التوسع الاستيطاني إذا ما قورن بأيام أوسلو، سنجد أنه تضخم كثيراً وقفز بمتوالية هندسية، ففي كل عام تقريباً تزيد الأعمال الاستيطانية، وفي العام 2011 زادت نسبة بناء الوحدات السكنية في المستوطنات بالضفة 20% عن العام الذي قبله، أي ما مجموعه أكثر من 3500 وحدة سكنية بين العامين 2010 و2011، حسب تقرير صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

وعلى الصعيد الديمغرافي الاستيطاني، يتأكد عبر الاستدلال بالإحصائيات أن أعداد المستوطنين تضاعف منذ تسعينيات القرن الماضي، ووصل عددهم الآن إلى حوالي نصف مليون مستوطن في الضفة الغربية، منهم 200 ألف تقريباً يقيمون في القدس الشرقية.

أيضاً ينبغي القول إن المجتمع الدولي متواطئ مع إسرائيل في مسلكها الاستيطاني التوسعي العنصري، ذلك أن هذا المجتمع الذي أعلن مراراً وتكراراً أن البؤر الاستيطانية غير شرعية ويجب إزالتها، لم يتحرك قيد أنملة لإجبار إسرائيل على التوقف عن هذه السياسة.

ولعل سياسة "على عينك يا تاجر" الإسرائيلية ناجحة أيضاً مع الولايات المتحدة التي وصفت مؤخراً ولأول مرة، اعتداءات المستوطنين على الفلسطينيين في الضفة بأنها إرهاباً، فضلاً عن مواقف الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي طالب بتجميد الاستيطان، ثم عدل النغمة وأنتج موقفاً جديداً كشفت عنه وزيرته للخارجية هيلاري كلينتون، التي قالت إن وقف الاستيطان ليس شرطاً لبدء المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي.

إذاً هناك تواطؤ دولي وتخاذل عربي أيضاً يخدمان المشروع الإسرائيلي الاستيطاني، خصوصاً وأن العرب يساون في موقفهم من حيث إدانة المستوطنات، الموقف الدولي، واللهم أنه مجرد إدانات غير مترجمة على أرض الواقع ولا تقيم عند إسرائيل أي وزن.

في تصريح صدر عن أندرياس رينيكيه مبعوث الاتحاد الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط، في حديث مع "الأيام" قبل أسابيع، حذر فيه من أن حل الدولتين في خطر، ويقصد بذلك أن استمرار النشاط الاستيطاني عقبة كأداء تقف أمام التسوية وخيار الدولتين.

حتى أن مساعد الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون السياسية جيفري فيلتمان، لم ينكر مخاوفه من أن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ينجرف في اتجاه خطير، وأن الوقت الممنوح برأيه "لاتخاذ إجراءات بناءة بهدف إنقاذ حل الدولتين قد يضيق من الآن فصاعداً"

والحقيقة أن إسرائيل أدركت منذ البداية، ومنذ انطلاق مسيرة أوسلو، أن الطرف الفلسطيني لن يهدأ حتى يتمم دولته المستقلة، لذلك كانت المخططات تقضي بالاستعجال في تهويد أجزاء من الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، وجعل سيادة السلطة الفلسطينية على كانتونات، تساوي مصطلح "الجبن السويسري".

في إطار كل ذلك، لا يمكن النظر إلى الانقسام الفلسطيني الداخلي بمعزل عن النشاطات الاستيطانية، فمن المعلوم أن هذا الانقسام يخدم إسرائيل كثيراً، ويوفر لها كل الوقت لتصول وتجول في الضفة وتطلق "أغنام المستوطنين"، وتطلق الجرافات "لتأكل" وتنهب من الأرض الفلسطينية.

ولو كنا حافظنا على وحدتنا وتلاحمنا الوطني، لكان النضال مختلفاً وطاقاتنا كلها موجهة ضد إسرائيل، أما ونحن مختلفون ومنقسمون على حالنا وأحوالنا، فلعل عند الناس هموم كثيرة وأولويات تسبق أولوية مواجهة الاستيطان والمستوطنين.

أما إذا ظل الحال على حاله، ولا أحد يعطي موضوع الاستيطان الأهمية القصوى ويقوم بذلك قولاً وفعلاً، بنضال دبلوماسي شرس ومظاهرات سلمية متواصلة، فعلى الأرجح أننا سنشهد عصراً فلسطينياً جديداً مليئاً بالكانتونات في ظل انقسام أفقي وعامودي يطال وحدة الشعب ووحدة المصير. متى الربيع؟؟

[email protected]

 

كاريكاتـــــير