شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2026م11:35 بتوقيت القدس

قوية قادرة حكاية تتكرر

24 اكتوبر 2012 - 08:06
سعاد ابو ختلة
شبكة نوى، فلسطينيات:
قوية قادرة حكاية تتكرر
مضت عشرون عاماً مذ رأيتها آخر مرة ... طفلة في التاسعة من عمرها لم يخف
الفقر المدقع جمالها الأخاذ وعيناها التي تلمع في سعادة وهي تتنقل بين
العربات تبيع (بَرد  وترمس ) وبعض الأشياء وأبوها ينتظرها خارج الموقف
بعربة الكارو التي يجرها حمار متهالك ... كنا نسعد لرؤيتها أنا وصديقاتي
ونحن متوجهتان للمدرسة وخطواتها تتلعثم بين الحشود المغادرة  للمدرسة وتجمع
الركاب والعربات .. كنا نخبئ مصروفنا اليومي لنشتري من ورود بَرد وترمس
لنسعد لسعادتها الجذلة وهي تضع النقود القليلة في جيب ردائها البالي .. كنت
أتلصص على خصوصيتها رغماً عني ، أسالها عن عائلتها وكيف تمضي أوقاتها ،
دراستها وكانت تجيب بتململ أحياناً وبإصرار أحياناً أخرى .. تتحدث عن
عائلتها بعينين زائغتين وقلب يرتجف فهي الكبرى لأربع شقيقات أخريات في
عائلة يعولها أب يعاني من إعاقة في قدمه وأم لم تنل قسطاً من التعليم .. "
بيتنا من الصفيح نار مشتعلة صيفاً وثلاجة بَرد في الشتاء " عندما استشعرت
ألمها بحثت عما يجعل عيناها تلمع جذلاً .. المدرسة حيث تتلقى التعليم
الابتدائي في مدرسة الوكالة القريبة وهي متفوقة مما يشحن طاقاتها الكامنة
كي تنطلق لمساعدة أبيها في إعالة الأسرة .. رأيتها مراراً تحمل كتاباً تحت
إبطها وهي تحمل صينية البَرد ، أحبها الجميع وأحببتها لأنها أحبت ذاتها ،
عزيمتها وإصرارها كانا دوماً يستفزاني فأشرد بفكري قوية كفاية كي تحتمل ..
و أتذكر انهزامي وانكماشي عندما كانت أمي تضع مولوداً جديداً وأشعر بأني
مهملة لا يبالي بي أحد و انكفئ على دفتري أبكي فيه قصصاً حزينة مروعة ليس
نهايتها الحزن أو الموت ...
ورود كانت الوجه المشرق على الحياة الذي طالما جلدت نفسي لأنني لا أستطيع
أن أكون مثلها متصالحة مع ذاتي ..
ورود الجذلة ودعتها مع ذكرياتي الجميلة والزنابق صديقاتي العزيزات اللاتي
مضين في دروب العمر المتسرب ... مضيت في حياتي وبالكاد تذكرتها مرة أو
مرتين حين كان يسافر بي الحنين لذكريات الدراسة .. مضى عمر طويل و رأيتها
إحدى المرات عروس جميلة تستعد لزفافها .. عيناها ما زالتا تشعان ذات البريق
.. شعرت أنها هى ولم أتوان أن أسألها عن اسمها فأجابت بثقة فهي سيدة مرموقة
ناجحة ومميزة في عملها ترتدي ثياباً أنيقة وصوتها الهادئ الرخيم تعشقه
الأذن ... ابتسمت بهدوء وقلت لها موفقة يا ورود أتمنى لك أياماً سعيدة
هانئة .. وغادرت بخطاها الواثقة .. مضت لحالها وبقيت أمارس عادتي من الحديث
الذاتي والنقاش مع النفس .. رغم كل ما مرت به فهى ناجحة .. كم من فتاة
مثلها تغلبت على ظروفها وكم من أخرى لاكتها الأيام بضرسها المؤلم .. عدت
لمنزلي وصورتها لا تفارقني وبقيت قرابة الشهر تراودني حالة كتابة .. أردت
إسقاطها على أوراقي كي أعود للواقع المتفاءل أحياناً والمحبط كثيراً ..
للحياة المتسارعة لنهاية قد لا نبتغيها .....
 
  سعاد أبو ختلة
 

 

كاريكاتـــــير