شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 26 اكتوبر 2026م12:17 بتوقيت القدس

الحطيئة والتعليم

21 اكتوبر 2012 - 08:35
محمد الأسطل
شبكة نوى، فلسطينيات:

أخبرنا أبو همام الإمام ، أن الحطيئة بعد ما عاد إلى الحياة وقام ،وأقسم ألا يهجو زنديقا أو إماما ، أو تاجرا أو غلاما ،خاف الرجوع إلى المدينة ،وملاقاة الأهل والعشيرة ، فيحبسه من أتى بعد عمر الخليفة ، وقال فى نفسه العليلة ، قد علمت ما صارت به الدنيا جليلة ، زاخرة بالعلم كثيره وقليله ، فأقسم    ألاَّ يعود ، حتى يحيط بالعلوم ، ويرضى الصاحب والخصوم ، وأصبح مفخرة الأهل والعموم ، فنزل بأرض فلسطين ، وجال فيها يستكين ، إذ حاره الصخب والطنين ، وأصيب بالبله من شدة الرنين ، فقد رأى العجب ، دوابّ تسير بلا سبب ، منها على الأرض وأخرى فوق السحب ، ورأى المباني العالية الحجب ، والناس   لا من عجم أو عرب ، فهرب إلى أقرب مسجد موجود ، وقرر أن لا يخرج منه أو يعود ، أو للخائضين والفسّاق يقود ، حتى يحيط بالعلوم ثم يجود ، و بالحق يسود ، ويعرف فى أيِّ زمان نزل ، كي يستطيع عن حوضه أن يذود ، ودخل المسجد وتأمله ، وراعه ما أجمله ،وانتظر الإمام كي يبجله ، ثم العلم القويم يسأله ومضت الساعات دون جدوى ،وهو فى ركنه الأدنى ،حتى أتى مؤذن وقام  ،وحانت الصلاة وجاء الإمام ، وتلا التسبيح والقيام ، فلما فرغ بالسلام ، أقبل عليه الحطيئة يسأله العلم والكلام ، فبه يطيب المقام ، وهو المراد والمرام ، فضحك الشيخ وقال :"العلم يا بني فى الجامعات يقال ، وفى المدارس للعيال ، وتدفع مقابله الدراهم والدينار ، وتنفق بالجنيه والدولار ، وهذا على أمثالك محال ، وصعب المنال ، فارفع هذا الفكر من البال ، فانا إمام القرية ، لي من الأبناء عشرة ، اثنان فى الجامعات حظوة ، وخمسة فى المدارس قسوة ، وثلاثة فى رياض الأطفال عنوه ، فإن أتى أول العام ، اختلت الموازنة والمقام ،أتاني منهم اثنان ، وطلبا النقود دون حساب أو ميزان ، فأصبح فى حيص بيص حيران ، تنتابني حكة الجربان ، واقرأ فى الكوثر آل عمران ، ثم يأتيني البقية يبكون ، وقد طردوا فهم مفصولون ،فالرسوم أو لا يقرؤون ، فأدفع ما تبقى وأستدين ، وليت الحال يبقى كذلكَ ، لكان الأمر سالكا ، وما تكدر المرء أو تهالكَ ، ولكنْ تلحق ذلك معارك ، أخوضها مع القلق والتكدير، اطلب العون من القدير النصير ، أن يفتح لي كنز السلطان و الوزير ،فدفاتر تعبر السحب إلى السماء ، فيها للحصة والأحياء ، ومنها للواجب والإملاء ، وتقسيم المواد أشلاء ، وادفع دون   حساب يا أبا الأبناء ، الذين يحملون مع الأسماء أسماء ، فشيكلا لمكنسة ومحّاء ، وآخر للزجاج والفناء ، وثالثا للألعاب والغناء ، وهراء فهراء فهراء ، ثم يأتي من برياض الأطفال يبكون من جديد ، وليتها عن سابقتها تحيد ، فتعدد الدفاتر والأقلام ،للموسيقى والإعلام ، وللمواصلات نقود تفوق الأحلام ، وبعدها الحال آلام وآلام ، فدع عنك هذا المرام ، ونام ثم نام ثم نام ، فبكى الحطيئة من الكلام ، وتمنى لو قذف فى الحِمام ، ورثى حاله والأنام ، وأنشد يقول : 

جئت الحياة لكي أحيط بعلمها

فوجدت نفسي قد جهلت وأكثرَ

إنْ كنت ترغب بالعلوم فخلّها

واعمل غفيرا فى البلاد وأزعرَ

كاريكاتـــــير