نوى - روحي جرادات:-
يبدو أن الصعود للاماكن المرتفعة يتطلب التحضير بشكل اكبر لضمان النزول الآمن والمريح، وان عملية الاستبصار كان يجب أن تكون حاضرة بقوة وبعيدا عن ممارسة مبدأ "إلى حيث ألقت " وما دمنا تطرقنا إلى مفهوم الاستبصار فهو بكل بساطة يعني الإدراك الكلي للموقف ، وهنا نضيف أيضا الإدراك الكلي للمحيط ، لذا كان يجب أيضا أن يكون هذا الاستبصار سيد الموقف وعلى نحو كبير من ممارسته ومحددا للاتجاه وكابحا لجماح الاندفاع وسط غابة شائكة ومليئة بالصعوبات ومتخمة بفتح المصائد وشباكها المتنوعة والمتعددة المصادر والأهداف.
من هنا كان لا بد من ضمان أرضية صلبة لتحقيق انطلاقة صلبة أيضا لتحقيق ما هو متاح وما هو مشروع وما هو ممكن ، وبحسبة منطقية وبأقل الأضرار وبشكل يفسح المجال أمام فتح أفق سياسي جديد وليس الوصول للحظة انتصار معنوي واني مؤقت ويترتب عليه مأزق ربما متشعب ونتوء مرهق لا يتكهن بنتائجه إلا الواقع الماثل والحاضر والمتربص بنا وفي كل الاتجاهات.
قد لا يختلف اثنان أن خطوة الذهاب للأمم المتحدة خطوة هامة وربما الملاذ المهم من الناحية القانونية وأيضا المزعجة لإسرائيل والمقلقة لأمريكا بما تحمل في مضمونها من خروج ربما يفسر بالسافر في عرف السياسة الأمريكية وبما تحمل من مدلول يعني الخروج عن النص وفق معيارهم ،صحيح أنها لحظة تحد من أصحاب حق لا حول لهم ولا قوة أمام غطرسة محتل بشع وأمام قوة العالم الأولى حليفتهم الأم والأب الروحي لدولة الاحتلال ولكن بكل المقاييس فإننا كشعب نحمل في جعبتنا حقنا المسلوب والذي لم يسعفنا بعد أكثر من ستة عقود مضت وسط عالم تحكمه قوة السطوة وانعدام القيم الأخلاقية والإنسانية ،لهذا ولان الجمود في العملية السياسية وصل حد طرق مغلقة كان الاجتهاد بتغيير قواعد اللعبة ولنفترض أن هذا الأسلوب كورقة ضغط لفتح أفق جديد، ولكن وما دام الزمن مهما والوقت من ذهب فيبدو أن تغيير قواعد اللعبة أيضا في سياسة أمريكا وخاصة في المنطقة العربية كان قد سبق بل منذ سنوات وفي عهد الإدارة الأمريكية السابقة والعالم الجديد والفوضى الخلاقة وما تبع من ثورات عربية وما اصطلح عليه بالربيع العربي الذي دعمته دول الناتو وعلى رأسها الولايات المتحدة، وما ترتب عليه من نتائج كنا نعتقد ويبدو أننا أخطأنا إن أمريكا لديها تحفظ كبير على حركة أو تنظيم إسلامي ولكن ما أثبته الواقع إن حجم المناورة اكبر بكثير مما اعتقد غالبية العرب فكانت المقدمات في واد والنتائج في واد آخر وهنا كانت المناورة الكبيرة وعبقرية الخداع فالإدارة الأمريكية تعلن من جهة عدائها وتؤكد تخوفها من وصول الإسلاميين لدفة الحكم ومن جهة أخرى تطلق كل الإمكانيات لتحقيق ذلك.
وعودة للدولة والأمم المتحدة والساحة الداخلية الفلسطينية ووضعها المنقسم لأبعد حد ممكن وللمحيط العربي الذي انشغل بمستدجاته وتبعات ما كان وباقي الدول التي باتت لا تضمن حركة تمرد شعبي عليها وقلب الأنظمة والخوف الشديد من المس بمقررة حرية الشعوب ومناصرة الشعوب المقهورة ولكن على طريقتها الخاصة مما خلق محيطا عصيبا وصعبا وغاية في التعقيد وان أي خطوة سيكون سلاح الثورات العربية حاضرا ومدعوما ومتاحا ومناكفا وسيفا مسلطا على رقابهم وهممهم المهزوزة واللاواثقة أصلا ،وهنا كان التحدي الفلسطيني والخروج اللامألوف عن النص وتحد في وقت ضائع ربما ووقت لم يعد ميزان القوى كحالته التقليدية فحسب بل بإضافة نوعية أخرى تتمثل بتمكين دور هذا الميزان بكفة عربية وفق مسلمة تفيد أن الربيع العربي كحالة طبيعية بعد زمن متوارث من الدكتاتوريات طويلة الأمد وعهد نتائج هذا الربيع المتوافق والمتقاطع والمتساوق تماما مع الرؤى الأمريكية وهذا ما تقوله النتائج وليس ما يقول تحليل هنا أو محلل هناك.
وإذا ما افترضنا ووفقا لما سبق الامر كذلك فان مغامرة "وفق المتغيرات" الذهاب للأمم المتحدة كانت نتيجة لحالة ومقدمات وإصرار لكن كان ينقصها خط رجعة أو استدراك فالذهاب كان مشكلة وعدم الذهاب معضلة على الأقل أمام تتبع ومراقبة الوعود التي قطعها الرئيس على نفسه في أكثر من مناسبة وعلى العلن.
وفي الحالة الفلسطينية الداخلية أيضا كان هناك مؤشرا ربما لم يلتفت له الكثيرون من المهتمين والمتابعين وحتى السياسيين ،وهو الانعطاف الحاد والسريع وبعكس المتوقع, كان هذا الموقف اللامتوقع من حركة المقاومة الإسلامية " حماس" وتماما بعد انتهاء الحرب على غزة وعلى غير عادتها وبعكس المواقف الأخرى المشابهة خاصة إذا ما اعتبرنا أن انتهاء الحرب على غزة روج له كانتصار مظفر قادته حركة حماس ،فكان الملفت أن موقف قيادة حماس تدعم الرئيس في خطوته لنيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية وتدعم توجهه للجمعية العامة للأمم المتحدة هذا برغم أن رؤية حماس المقاومة كانت ترى أن هذا الذهاب لا يشكل أهمية بل كان الإعلام المقرب والمحسوب عليها يفرغ هذه الخطوة من محتواها وجوهر أهميتها, وبقدرة قادر انعطف الموقف فلم تكن اسطوانة التخوين والتآمر هذه المرة كما بعد حرب غزة الماضية ولكن يبدو أن تغيير قواعد اللعبة أيضا كان حاضرا لدى حماس والمتمثل بالتأيد لخطوة الرئيس وعلى نحو مفاجئ ،ومن هنا كان ثمة استبصار لدى حركة حماس وقيادتها تطلب منها أن تبدي مقاربة ما مع خط الرئيس ولكن هذه المقاربة هي شكلية وتعود بالنفع على قوة حضورهم أولا وتكبيل الرئيس بعدم التراجع تحت أي ظرف أو ضغط ، ونفذ الرئيس ما قطعه على نفسه من وعود بالتوجه للجمعية العامة وحصل على الاعتراف بدولة فلسطين عضوا مراقبا في الأمم المتحدة وكأن كل الأمور تسير وفق ما نريد أو ما تريد القيادة الفلسطينية, ولا أقول هنا أن العزة أخذتنا بالإثم بل كأننا سهلنا وعبدنا وذللنا كل العقبات أمام المزيد من وهن السلطة وفاعليتها على الأرض بدءا بتنفيذ إسرائيل بمنع عائدات الضرائب ومرورا بالإعلان عن بناء آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية وليس انتهاء بإحجام العرب عن الدعم المالي للدولة المفترضة أو للسلطة القائمة ،من هنا كان المأزق الفلسطيني صنيع تقاطعات سياسية مختلفة منها ما هو عفوي ومنها ما هو مدروس بعناية فائقة ، أما السؤال الكبير الذي كان يفرض نفسه دائما ومنذ زمن .. وماذا بعد؟؟
إذا كانت الإجابة على السؤال بفطرتنا العشوائية وعلى شاكلة تكفل الزمن بتقديم الحلول ولطريقة الفزعة ،فالجواب ببساطة أن هذا لا يتوافق مع فن الأداء السياسي المعاصر وبالتالي عدم القدرة على تحقيق استثمار سياسي ملموس وربما نذهب لأكثر وابعد من هذا وذاك بتعثر كبير بدأنا نشعر بنتائجه مباشرة وبدون فترة سماح ولو لمدة شهر واحد، وما دامت الأمور تسيير وفق حسابات ومنطق 1+1=2 وانه لا مجال للتأويل وفق منظومة الأعراف السياسية الحالية والتحالفات ومتغيرات العالم , لذا وعليه فيبدو أننا أمام تأويل المثل الشعبي القائل: أن أول الغيث ... قطرة ، ليصبح أن أول الغيث قطران بامتياز.
























