غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
فوق ركام البيت الذي ابتلع عائلته، يجلس محمد رياض (12 عامًا) بملامح شيخٍ أثقلت قلبه الهموم. جاء إلى غزة مع أسرته هربًا من الموت في سوريا، يحملون خلفهم بلدًا أنهكته الحرب، وأمامهم مكانًا ظنوه أقدر على منحهم ما بحثوا عنه طويلًا: الأمان.
لكن الحرب كانت أسرع من أحلامهم، ففي التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2025م، أسقط صاروخٌ إسرائيليٌ البيت فوق رؤوسهم، وخرج محمد وحده حيًا من بين الركام.
يجلس الطفل السوري اليوم فوق أنقاض بيت عائلته، ويحاول أن يروي كيف انتهت حياة أفرادها كلهم هنا. يقول: "جئت أنا وعائلتي من سوريا، أتينا إلى غزة لنبحث عن الأمان، لكنني الآن أمامكم ناجٍ وحيد.. مثلي مثل آلاف الأطفال الفاقدين هنا".
قبل تلك الليلة، كان محمد مثل أي طفل، له أب وأم وإخوة، وبيت ينام فيه مطمئنًا، لكن القدر لم يشأ. هبط الركام فجأة فوق البيت، وابتلع في لحظة واحدة المكان ومن فيه.
يستعيد الطفل تفاصيل الساعات الأخيرة من حياته القديمة. يقول: "كنا نائمين أنا وإخوتي، وأبي وأمي.. وفجأة هبط الركام علينا، أكل النوم والبيت والأحلام، منذ تلك الليلة، صرت الوحيد هنا، اليتيم والفاقد والكثير من الأوصاف غيرها".
ظل محمد عالقًا تحت ثقل الركام والتراب لساعات، فيما كان جسده يحترق من آثار القصف، وحين وصلت طواقم الدفاع المدني، انتشلته من بين الأنقاض حيًا، لكن النجاة التي جاءت بجسده كانت تحمل في داخلها خسارة لم يكن عقله الصغير قادرًا على استيعابها.
يضيف: "حين جاء الدفاع المدني وانتشلهم من تحت الأنقاض، بدأت أدرك الحقيقة.. بعد ثمانية أشهر، وجدنا جزءًا من عظامه".
ثمانية أشهر ظل خلالها الفقد معلقًا بين الاحتمال والحقيقة، لا جثامين كاملة ليواريها التراب، ولا وداع يمكن أن يمنح الطفل نهاية واضحة للحكاية.
وفي غزة، حيث حوّلت الحرب الوصول إلى أبسط وسائل الفحص لمعركة أخرى، لم يكن ممكنًا إجراء فحوص الحمض النووي للتعرف إلى الجثامين، وفق رواية محمد.
لذلك لجأت طواقم الدفاع المدني إلى ما أمكن من الأدلة المتاحة، ونقلت ما عُثر عليه إلى المستشفى، حيث جرى التعرف إلى الأسماء وتقدير الأعمار بالاستناد إلى قياسات العظام وعلامات الملابس التي كان الضحايا يرتدونها.
"كان نفسي أهلي ما يبعدوا عني.. كان نفسي أضل ألعب مع إخوتي وأقربائي.. حاليًا، لم يتبقّ لي أحد".
يبدو حديث محمد أكبر من عمره بكثير.. إنه لا يتحدث عن بيت تهدم، ولا عن لعبة فقدها، ولا عن رحلة اضطر إليها، يتحدث عن أشياء صغيرة كان يفترض أن تكون عادية في حياة طفل: أن يبقى أهله قريبين، وأن يكمل اللعب مع إخوته وأقاربه، وأن يجد من يناديه باسمه حين يعود إلى البيت.
يقول بغصة: "كان نفسي أهلي ما يبعدوا عني.. كان نفسي أضل ألعب مع إخوتي وأقربائي.. حاليًا، لم يتبقّ لي أحد".
محمد ليس حالة منفردة في غزة. خلف حكايته يقف آلاف الأطفال الذين تحولت الحرب في حياتهم من حدث عابر إلى فقد دائم، بعدما اقتلعت آباءهم وأمهاتهم من المشهد وتركتهم يواجهون طفولة بلا سند.
"التنمية": تجاوز عدد الأطفال الأيتام في قطاع غزة 64,616 طفلًا حتى أبريل/نيسان 2026م، بينهم أكثر من 55 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما.
وبحسب وزارة التنمية الاجتماعية الفلسطينية، تجاوز عدد الأطفال الأيتام في قطاع غزة 64,616 طفلًا حتى أبريل/نيسان 2026م، بينهم أكثر من 55 ألف طفل فقدوا أحد والديهم أو كليهما خلال الحرب.
وتُظهر بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة "يونيسف" أن أكثر من 56 ألف طفل في غزة فقدوا أحد الوالدين أو كليهما، فيما فقد 2,596 طفلًا كلا والديهما، وفق بيانات حتى سبتمبر/أيلول 2025م.
لكن الأرقام، مهما كبرت، لا تستطيع أن تقول ما تقوله صورة طفل يجلس فوق بيت عائلته، يحاول أن يستعيد أسماء من كانوا يملأون المكان بالحياة.
لقد هربت عائلة محمد مرة من الحرب في سوريا، وحملت ما استطاعت من حياتها إلى غزة، معتقدة أن المسافة قد تكون كافية لتمنحها فرصة أخرى للنجاة، لكن الحرب لحقت بها إلى المكان الذي ظنته ملاذًا، وحين انتهى القصف لم يبق من العائلة سوى طفل صغير. نجا من الموت مرتين، وفي المرتين كان عليه أن يتعلم شيئًا لا ينبغي لطفل في الثانية عشرة أن يعرفه: أن النجاة ليست دائمًا أن تخرج حيًا من تحت الركام، فقد يعني الموت أن تبقى حيًا بعدما يرحل الجميع.
























