الضفة الغربية- غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
كل صباح، يقف الراعي خالد مرعي أمام السؤال ذاته: هل يخرج بقطيعه إلى المراعي، أم يبقي الأغنام قريبة منه، حتى وإن كلفه ذلك ثمن العلف الذي لا يملكه أصلًا.
في الأغوار الشمالية، لم يعد خروج الراعي بقطيعه إلى الأرض التي اعتاد الرعي فيها قرارًا يوميًا عاديًا. الطريق إلى المرعى قد ينتهي بمواجهة مع مستوطنين مسلحين، والقطيع الذي يخرج بحثًا عن العشب قد يعود ناقصًا، أو لا يعود على الإطلاق.

يقول مرعي لـ"نوى": "بمجرد أن أصل، يتجمع المستوطنون المدججون بالسلاح حولي، فإما يعاجلون القطيع بإطلاق النار المباشر، أو يتسللون ليرشوا السم في مساحات الرعي أو في الينابيع القريبة التي تشرب منها الماشية".
لم تعد خسارة الأغنام بالنسبة إليه حادثًا منفصلًا عن حياته اليومية؛ فكل رأس ينفق يعني جزءًا من رأس مال الأسرة، وكل مساحة رعي تُغلق أمامه تعني كلفة إضافية لإطعام القطيع، وكل يوم يخشى فيه الخروج هو يوم يقترب فيه العمل الذي ورثه عن عائلته من التوقف.
يقول: "فقدت عددًا كبيرًا من أغنامي جراء هذه السموم. الغاية ليست مجرد إيذاء عابر أو تخريب، بل هي إعدام ممنهج لكل ما يساعد الراعي الفلسطيني على الصمود والثبات فوق أرضه". وفي مناطق أخرى من الضفة الغربية، يواجه الرعاة الخطر ذاته بأشكال مختلفة.

في منطقة وادي البيضاء ببلدة إذنا غربي الخليل، يقول الراعي محمد بشارات إن جنود الاحتلال الإسرائيلي أطلقوا الرصاص الحي مباشرة على أغنامه، ما أدى إلى نفوق ثلاثة رؤوس وإصابة عدد آخر.
ووفق بشارات: "لا يطلقون النار في الهواء حتى نبتعد، بل يتعمدون إطلاقه على الأغنام فورًا بقصد قتلها مباشرة، ثم يضيف: "يعدمون ماشيتنا بدون سبب. إنهم يبيدون مصدر رزقنا الوحيد حتى نرحل ونترك الأرض".
وتتعدد أشكال الضغط التي يتعرض لها الرعاة ومربو الماشية؛ من إطلاق النار على الحيوانات، إلى التسميم، والسرقة والاستيلاء على القطعان، وصولًا إلى منع الرعاة من الوصول إلى المراعي ومصادر المياه، والاعتداء عليهم وطردهم من الأراضي التي اعتادوا استخدامها.
في شمال الأغوار، وثقت الأمم المتحدة حالات اعتداء جسدي على رعاة، وإطلاق نار، وسرقة وإتلاف للهواتف التي يستخدمها السكان لتوثيق الانتهاكات.
وتشير توثيقات أممية إلى أن هذه الضغوط باتت جزءًا من واقع متصاعد في المجتمعات الرعوية. ففي شمال الأغوار، وثقت الأمم المتحدة حالات اعتداء جسدي على رعاة، وإطلاق نار، وسرقة وإتلاف للهواتف التي يستخدمها السكان لتوثيق الانتهاكات، إلى جانب الاستيلاء على أصول وممتلكات مرتبطة بمصادر رزقهم.
وفي منطقة دار فَزّاعة ومجتمع طيبة الشرقية في محافظة رام الله، وثقت الأمم المتحدة، خلال عام 2026، اعتداءات متكررة شملت اقتحام المناطق السكنية، والترهيب والاعتداء الجسدي، وتخريب البنية التحتية، وتقييد الوصول إلى مناطق الرعي، وإتلاف أو مصادرة مقومات المعيشة، بما فيها أعلاف المواشي. كما أبلغ السكان عن منعهم من الوصول إلى نقاط المياه التي يعتمدون عليها. أما في الأغوار، فلم تعد المياه نفسها بمنأى عن الصراع على الأرض.

فقد وثقت تقارير أممية اعتداءات طالت مصادر المياه والبنية التحتية المرتبطة بها، فيما أدت القيود المفروضة على الوصول إلى المراعي والمياه إلى زيادة الكلفة على المجتمعات الرعوية التي تعتمد أساسًا على الثروة الحيوانية.
وفي منطقة البرج بالأغوار، يقول رعاة من عائلة دراغمة إنهم تعرضوا لهجمات أثناء رعي مواشيهم في المناطق المفتوحة، شملت الاعتداء بالضرب، فيما نُقل مصابون إلى المستشفيات نتيجة إصابات قالوا إنها نجمت عن تلك الهجمات. وفي مسافر يطا، تتكرر روايات الرعاة عن طردهم من المراعي، والاعتداء عليهم، وملاحقتهم في المناطق القريبة من البؤر الاستيطانية.
وثقت الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2026 حالة نزوح لسبع عائلات بدوية في محافظة طوباس، بلغ عدد أفرادها 47 شخصًا، بينهم 28 طفلًا، بعد تعرضها لاعتداءات متكررة من المستوطنين.
ووثقت الأمم المتحدة في أبريل/نيسان 2026 حالة نزوح لسبع عائلات بدوية في محافظة طوباس، بلغ عدد أفرادها 47 شخصًا، بينهم 28 طفلًا، بعد تعرضها لاعتداءات متكررة من المستوطنين، شملت التعدي على مساكنهم ومنع الرعي والتهديد بالطرد.
وفي يناير/كانون الثاني، قالت الأمم المتحدة إن مجتمع الخلايلة-العوجا في الأغوار، الذي كان يضم نحو 600 شخص، أصبح مهجّرًا بالكامل بعد سنوات من الاعتداءات والقيود على الوصول إلى المراعي والمياه، إضافة إلى سرقة المواشي والاعتداءات المتكررة.
وفي حالات أخرى، لم يعد الأمر يتعلق بمنع الراعي من الوصول إلى القطيع، بل بفقدان القطيع نفسه، فقد وثقت منظمة "بتسيلم" في فبراير/شباط 2026 واقعة في بلدة مخماس جنوب شرقي رام الله، قالت فيها إن مستوطنين هاجموا رعاة، وانتهت الأحداث بسرقة مئات الأغنام، فيما كان جنود إسرائيليون يوفرون الحماية خلال الواقعة بحسب المنظمة.
"بتسيلم": "مستوطنون هاجموا رعاة، وانتهت الأحداث بسرقة مئات الأغنام، فيما كان جنود إسرائيليون يوفرون الحماية خلال الواقعة".
وفي حادثة أخرى، وثقت المنظمة نفسها اعتداءات على الماشية في الضفة، شملت ضرب الحيوانات بالحجارة والعصي وإيذاءها، واعتبرت ذلك جزءًا من الضغط الواقع على المجتمعات الفلسطينية وعلى مصادر رزقها.
بالنسبة إلى خالد مرعي ومحمد بشارات وغيرهما من الرعاة، تبدو الصورة أكثر بساطة وقسوة في الوقت نفسه: قطيع أقل يعني دخلًا أقل، ومراعٍ أقل تعني نفقات أكثر، وخوفًا أكبر من الخروج يعني ارتباطًا أقل بالأرض.
لكن هذه المعادلة لا تتوقف عند الاقتصاد. يقول المختص في شؤون الاستيطان صلاح الخواجا "إن استهداف الأغنام لا يمكن فصله عن الضغط الواقع على المجتمعات الرعوية"، معتبرًا أن تدمير الثروة الحيوانية يضرب أحد أهم مقومات بقاء الرعاة في مناطقهم.
ويقول: "الماشية باتت هدفًا للإعدام المباشر، ضمن خطة متكاملة لتدمير المقومات الأساسية لصمود الرعاة والمزارعين الفلسطينيين على أرضهم".
الخواجا: "العنف الاستيطاني والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرض والمياه ومناطق الرعي أصبحت من العوامل التي تدفع المجتمعات الرعوية إلى النزوح، خصوصًا في مناطق الأغوار ومسافر يطا".
ويرى الخواجا أن ما يجري يتجاوز الاعتداء على ممتلكات فردية، ليصب في مسار أوسع من تفريغ المناطق المصنفة "ج" لصالح التوسع الاستيطاني.
وتشير الأمم المتحدة بدورها إلى أن العنف الاستيطاني والقيود المفروضة على الوصول إلى الأرض والمياه ومناطق الرعي أصبحت من العوامل التي تدفع المجتمعات الرعوية إلى النزوح، خصوصًا في مناطق الأغوار ومسافر يطا.
وفي كل صباح، حين يقف خالد أمام قطيعه مترددًا قبل أن يقرر إن كان سيخرج به إلى المرعى، لا يكون خائفًا على أغنامه وحدها، إنه يخشى أن يأتي صباحٌ آخر، فلا يبقى له من القطيع ما يكفي ليواصل، ولا من الأرض ما يستطيع الوصول إليه، ولا من الخيارات ما يسمح له بالبقاء.
























