شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 30 يونيو 2026م21:36 بتوقيت القدس

30 نزوحًا وصندوق شاحنة..

التغريبة الأخيرة لمنصورة عبد الدايم

30 يونيو 2026 - 16:09

قطاع غزة:

في دير البلح، وسط الخراب الممتد في قطاع غزة، ثمّة امرأة تبلغ من العمر سبعين عامًا، تُدعى منصورة عبد الدايم. لو رأيتها الآن، وهي تحاول النزول ببطء مستعينة بكرسي خشبي متآكل لتتجاوز ارتفاع صندوق شاحنة حديدية متهالكة، لظننتَ أنها قضت عمرها كله في هذا الضيق.

لكن خلف هذه السحنة المتعبة، وحول هذا الجسد الذي ينهشه السكري والضغط، تختبئ حكاية امرأة كانت، حتى وقت قريب، تُعرف بـ "سيدة الأرض".

في بيت لاهيا، تخبرنا منصورة أنها كانت تملك أحد عشر دونمًا، اعتبرتها امتدادًا لجسدها وسنوات عمرها، فهناك، كان لها بيت من سبعة طوابق، يضج بصخب الأبناء الستة والأحفاد والمناسبات العائلية ولمّات الوناسة مع جاراتها وأقاربها.

خلف هذه السحنة المتعبة، وحول هذا الجسد الذي ينهشه السكري والضغط، تختبئ حكاية امرأة كانت، حتى وقت قريب، تُعرف بـ "سيدة الأرض".

"كنتُ أستيقظ قبل الشروق"، تقول السيدة وهي تتلمس حواف الصندوق الحديدي البارد، وتضيف: "أحفر التراب بأصابعي، أستمع إلى أنفاس الشجر الذي زرعته شجرة شجرة، كان ذلك الصباح وحده يساوي حياة كاملة".

بين عشية وضحاها، اقتلعت الحرب تلك الجذور، لم تكن حرب الإبادة الإسرائيلية التي بدأت اغتيال القطاع بسكانه ومدنه وأحيائه ومخيماته وكل حاراته، في السابع من أكتوبر مجرد تاريخ في الرزنامة، بل كان الفأس الذي هبط على رأس تلك الطمأنينة.

تصف السيدة اللحظة: "سمعنا القصف، لكننا لم نصدق أن الأرض ستضيق بنا إلى حد أن نغادر الشمال بلا عودة، قلنا يومين وسوف نعود مجددًا، لك اليومين لم ينتهيا إلى الآن".

بدأت التغريبة، رحلة نزوح طويلة ومكررة، تشبه المشي في حلقة مفرغة من الجحيم، أكثر من ثلاثين مرة تنقلت فيها منصورة بين شمال القطاع، ووسطه، وجنوبه.

من بيت لاهيا إلى جباليا، ثم إلى غزة، فالجنوب، ثم العودة إلى الوسط، كان الموت يقتفي أثرها كظلها، وكانت تسير لساعات طويلة على قدمين لم تعد تقويان على حمل ذكرياتها، وسط صراخ الأطفال والنساء وقصف لا يهدأ، حتى تمنت في لحظة ذهول أن ينتهي كل شيء، فقط لتستريح.

انتهى بها المطاف هنا، في صندوق شاحنة معطلة، الشاحنة ليست بيتًا، بل هي "أمانة" يحرسها أبناؤها، في زمن صارت فيه الخيام الممزقة ترفًا لا يقدرون على ثمنه، فتحوّل هذا المأوى القسري إلى مرآة لفصول العذاب:" فرنٌ قيظًا في الصيف، وثلاجةٌ صقيعًا في الشتاء".

داخل الشاحنة، تواجه الجدّة ضيق، وعزلة، وخوف من السقوط ليلًا، وأما خارجها فتدور في ثقل مهام النزوح بين الطهي على الحطب، والحمام البدائي الذي تتشاركه مع ست عائلات أخرى، وثمن البقاء؟ 200 دولار شهريًا كإيجار للأرض التي تقف عليها الشاحنة، لامرأة بلا دخل.

الخوف الأكبر الذي يقضّ مضجعها ليس المرض، بل تلك اللحظة التي قد يأتي فيها صاحب الشاحنة ليطلب حديده، لتجد نفسها مطرودة حتى من هذا المنفى الضيق.

المرض أيضًا يمارس قسوته بلا هوادة في غياب الدواء وارتفاع ثمنه، تحاول منصورة أن تفاوض جسدها على الصبر، لكن في الليالي المعتمة، حين يشتد وجع الظهر وتشعر أن قلبها يوشك على التوقف، تنبش في صرّتها وهي -كيس مكون من بعض القطع تربطها ببعضها البعض تخبئ فيه مقتنياتها-، عما تبقى من قروش لتشتري جرعة حياة مؤقتة، لا لشيء، إلا لكي لا تموت وحيدة هنا.

الجدّة التي لم تعتد يومًا أن تكون في موقف الضعف، وهي التي عاشت قوية ومعطاءة، تجد نفسها اليوم تحلم بأشياء بسيطة كانت في الماضي بديهيات مثل مسكن مؤقت، فراش مريح يرحم ظهرها المنحني، وبضعة قروش تكفي ثمن الدواء وقوت اليوم.

لكن الخوف الأكبر الذي يقضّ مضجعها ليس المرض، بل تلك اللحظة التي قد يأتي فيها صاحب الشاحنة ليطلب حديده، لتجد نفسها مطرودة حتى من هذا المنفى الضيق.

تخشى منصورة، أكثر ما تخشى، أن تنتهي حكايتها في هذا الصندوق الحديدي، بعيدًا جدًا عن تراب بيت لاهيا الذي ما زال يعلق تحت أظافر ذاكرتها.

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير