شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 01 يونيو 2026م20:25 بتوقيت القدس

العطش كوجه آخر للإبادة.. شح المياه يفاقم معاناة النازحين

01 يونيو 2026 - 10:32

مع تسرب خيوط الشمس الأولى، وقبل أن تشتد حرارتها فوق الخيام المتلاصقة في مواصي خان يونس، يوقظ وسام رضوان أطفاله الأربعة على أملٍ مؤجل؛ يحملون أوانيهم البلاستيكية الفارغة، ويخرجون معًا نحو الطريق الترابي في انتظار قدوم شاحنات المياه المتنقلة، يقفون في طابورٍ طويل يزداد امتدادًا كلما مرّ الوقت، يُصغون إلى صوتٍ بعيد قد يكون هدير شاحنة، أو مجرد وهمٍ يتكرر كل يوم؛ هنا تحوّل الحصول على الماء إلى رحلة انتظارٍ يومية شاقة، تختلط فيها مشقة البحث بآثار الحرب التي لم تغادر تفاصيل الحياة.

منذ السابع من أكتوبر 2023، دخلت المنظومة المائية في قطاع غزة مرحلة انهيارٍ واسع، بعدما طالت الضربات عشرات الآبار وشبكات المياه، وهو ما انعكس مباشرة على حياة السكان، خصوصًا في مخيمات النزوح، حيث تراجعت حصة الفرد اليومية إلى أقل من 10 لترات، بعد أن كانت تقارب 80 لترًا قبل الحرب، لتصبح كل قطرة ماء عبئًا يُضاف إلى أعباء الأسر المنهكة أصلًا.

داخل خيمته المهترئة، يترقب وسام وصول شاحنة المياه التي لا تأتي بانتظام، يقول إن المخيم يفتقر كليًا إلى الآبار، ما يجعل السكان يعتمدون على صهاريج متنقلة لا تلبي الاحتياجات المتزايدة، ويضيف، وقد بدت على ملامحه علامات القلق، أن الأزمة لا تتوقف عند الكمية، بل تمتد إلى النوعية؛ فالمياه المتوفرة غالبًا ما تكون صالحة للاستخدام المنزلي فقط، وفي كثيرٍ من الأحيان تضطر العائلات إلى استخدام مياه مالحة أو ملوثة، رغم عدم صلاحيتها للشرب أو حتى للاستخدام الآمن.

هذا النقص الحاد لا يمرّ دون أثر؛ فداخل الخيام، تُعاد صياغة تفاصيل الحياة وفق حسابات الماء: الغسيل يُؤجل، والتنظيف يُختصر، وأواني الطهي تُغسل بحذرٍ شديد، فيما تضطر بعض العائلات إلى شراء جالون مياه بسعة 20 لترًا مقابل أربعة شواكل، ثم نقله لمسافات طويلة، في مشهدٍ يُجسّد عبئًا يوميًا يتكرر بلا انقطاع.

وفي مخيم الشاطئ غرب مدينة غزة، لا تبدو الصورة مختلفة كثيرًا؛ إذ تعيش سماح زقوت، وهي أم لطفلين، تفاصيل المعاناة ذاتها، وتصف الحصول على الماء بأنه "ملاحقة يومية"، بين صهاريج تصل حيناً وتغيب أحياناً كثيرة، وبئرٍ لا يعمل إلا لدقائق متقطعة، ما يدفعها إلى تخزين المياه بكل الوسائل الممكنة، خشية أن تمرّ أيامٌ دون قطرة واحدة.

تتحدث سماح عن تقنينٍ صارم يفرض نفسه على كل تفصيلة في حياتها؛ فالماء يُخصص بدقة للشرب والطهي، وتُختصر أبسط أعمال النظافة، في ظل غياب أي ضمان لوصول إمدادات جديدة، فيما يتسلل قلقٌ دائم على صحة أطفالها نتيجة استخدام مياه غير نظيفة، ومع تزايد المخاوف من الأمراض والتلوث، يتضاعف العبء النفسي إلى جانب المعاناة اليومية.

تقول، بنبرةٍ تختلط فيها المرارة بالإرهاق: "إن ما يعيشه الناس في غزة لم يعد يُحتمل، فالأزمة تتفاقم يومًا بعد يوم، في ظل شح الموارد وتراجع الخدمات الأساسية"، مؤكدةً أن المياه ليست رفاهية، بل حق أساسي لكل إنسان، يتطلب تدخلًا عاجلًا لضمان توفير مياه نظيفة وآمنة.

في المقابل، يوضح الناطق باسم بلدية غزة، حسني مهنا، أن قطاع المياه في المدينة يواجه «أزمة حقيقية»، نتيجة الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية منذ بداية الحرب؛ إذ تم تدمير 72 بئرًا تابعة للبلدية، إلى جانب مئات الآبار الخاصة، وأكثر من 150 ألف متر طولي من شبكات المياه، فضلًا عن أربعة خزانات رئيسية، وخروج محطة تحلية البحر عن الخدمة، إلى جانب التذبذب في خط مياه "ميكوروت".

ويشير مهنا إلى أن هذه الأضرار أدت إلى عجزٍ مائي يتراوح بين 55% و65%، في وقت تراجعت فيه حصة الفرد إلى أقل من 10 لترات يوميًا، وهو ما يُنذر بتفاقم الأزمة الإنسانية، خاصة مع اقتراب فصل الصيف، حيث تتزايد الحاجة إلى المياه بشكلٍ ملحّ.

ورغم تشغيل نحو 30 بئرًا بشكل غير منتظم بسبب نقص الكهرباء والوقود والمستهلكات، إلا أن نحو 40% من مدينة غزة لا تزال خارج نطاق الخدمة، فيما تعتمد البلدية على صيانة محدودة، وصهاريج متنقلة، وبعض المشاريع المشتركة مع مؤسسات إنسانية، في محاولة للتخفيف من حدة الأزمة.

لكن التحديات لا تتوقف عند هذا الحد؛ إذ تعاني البلدية من نقصٍ حاد في الآليات والمعدات، بعد تدمير أكثر من 135 آلية، ما يعيق أعمال الصيانة ورفع الركام، ويجعل أي استجابةٍ للأزمة بطيئة ومحدودة، وسط تحذيرات من أن استمرار نقص الإمدادات سيقود إلى مزيد من التدهور في الخدمات، ويُبقي سكان غزة في دائرة بحثٍ لا تنتهي عن الماء!

اخبار ذات صلة
كاريكاتـــــير