شبكة نوى، فلسطينيات: بعد أسابيع طويلة من الحفر اليدوي والبحث وسط الركام، تمكن المواطن محمود خلة، يوم السبت 23 مايو الجاري، من انتشال جثمان زوجته ختام عوض أبو النور، وطفله عبد الرحمن، الذي لم يتجاوز عمره أربعين يومًا حين استشهد.
لم تكن تلك النهاية، بل محطة جديدة في رحلة فقدٍ ما زالت مستمرة منذ أكثر من عامين ونصف.
خلة، وهو من سكان جباليا النزلة شمال قطاع غزة، اضطر خلال الأيام الماضية إلى استخراج عدد من جثامين أقاربه بوسائل بدائية، مستخدمًا مطرقة حديدية لتحطيم طبقات الإسمنت التي غطّت منزله المكوّن من خمسة طوابق.
يقول لـ نوى: إن المنزل تعرض لقصف مباشر من طائرات الاحتلال الإسرائيلي في 21 ديسمبر 2023، بينما كان بداخله 39 فردًا من عائلته وأقاربه، بينهم أطفال ونساء وكبار في السن.
ويقف خلة، يوميًا فوق ركام منزله، يواصل الحفر بيديه ووسائله البسيطة، في محاولة للوصول إلى ما تبقى من أفراد عائلته.
ويستعيد تلك الليلة قائلاً: "خرجت قبل دقائق لأحضر الطعام لأطفالي، وعندما عدت كان كل شيء قد انتهى ولم ينجُ أحد".
ويضيف: أن فرق الإنقاذ تمكنت في الأيام الأولى من انتشال عدد من الجثامين، من بينها والده وشقيقيه مع زوجاتهم وأطفالهم، لكن كثيرين ما زالوا تحت الركام حتى اليوم.
ويصف خلة حجم الكارثة:" اضطروا لجمع أشلاء الضحايا في أكياس طحين، بعدما اختلطت الجثامين ولم يعد بالإمكان تمييزها".
ورغم مرور أكثر من 29 شهرًا، يؤكد خلة، أنه لم ينم بشكل طبيعي منذ تلك اللحظة، قائلاً: "أعيش على المهدئات، لكن الكوابيس لا تتوقف أريد فقط أن أدفنهم بشكل لائق".
حال خلة، لا يختلف كثيرًا عن مئات العائلات في قطاع غزة، حيث لا تزال آلاف الجثامين عالقة تحت الأنقاض.
وفي هذا السياق، يكشف جهاز الدفاع المدني في غزة عن واقع كارثي يعيق عمليات الإنقاذ وانتشال الشهداء.
ويقول مدير الطواقم الميدانية في جهاز الدفاع المدني، إبراهيم أبو الريش: إن الإمكانات المتوفرة لدى الجهاز "شبه معدومة"، موضحًا: "لدينا سيارة إطفاء واحدة فقط في محافظة غزة، وسيارة إنقاذ واحدة، بينما مركبات الإسعاف معطلة بالكامل بسبب نقص قطع الغيار وعدم توفر الوقود".
ويضيف لـ نوى": تعمل الطواقم في ظروف بالغة الصعوبة، مستخدمة أدوات بدائية لا تتناسب مع حجم الدمار الهائل،".
ويشير أن الجهاز يفتقر إلى المعدات الثقيلة اللازمة لرفع الركام أو انتشال الجثامين، وهو ما يجعل عمليات الإنقاذ بطيئة وخطيرة للغاية.
ويؤكد أبو الريش، أن الكوادر البشرية متوفرة وتمتلك خبرة عالية نتيجة سنوات من العمل في ظروف الحرب، لكن غياب الإمكانيات يحول دون قدرتهم على الاستجابة بالشكل المطلوب. ويقول: "نستطيع العمل، لكننا نحتاج معدات، نحتاج آليات، نحتاج وقودًا فقط لنقوم بواجبنا الإنساني".
وبحسب تقديرات الدفاع المدني، فإن عدد الجثامين العالقة تحت الأنقاض في قطاع غزة، يتراوح ما بين ثمانية إلى تسعة آلاف شهيد ومفقود، لم تتمكن الطواقم من الوصول إليهم حتى الآن بسبب استمرار الدمار وانعدام المعدات.
ويشير أبو الريش، إلى أن بعض المبادرات المحدودة، مثل توفير آليات مؤقتة، ساعدت في انتشال أكثر من ألف جثمان في شمال القطاع، لكنها توقفت لاحقًا، ما أعاد حالة الشلل إلى عمليات البحث.
يتابع: أن الطرقات المدمرة واستمرار القصف وغياب المركبات الصالحة يزيد من تعقيد المهمة، موضحًا أن نقل المصابين والجثامين يتم في كثير من الأحيان بوسائل غير مخصصة، ما يؤدي إلى تفاقم الإصابات أو تشويه الجثامين.
على مقربة ليست بالبعيدة من منزل عائلة خلة، يقف فارس عوض، أمام ركام منزله، الذي تحوّل إلى مقبرة جماعية لعائلته.
يقول عوض لـ نوى إن 84 فردًا من أسرته استشهدوا في قصف واحد، ولم يتمكنوا من انتشال سوى 20 جثمانًا في الأيام الأولى، بينما بقي نحو 30 آخرين تحت الأنقاض حتى اليوم.
ويشير عوض، إلى أن بعض الجثامين تحللت بالكامل بفعل الزمن والحرارة والرطوبة، حتى تحولت إلى عظام وأتربة، ما جعل عملية التعرّف عليها شبه مستحيلة في ظل غياب الإمكانيات.
ومن جهته يوضح الدفاع المدني، أن بعض المواقع لم تعد تحتفظ بأي ملامح للجثامين، نتيجة مرور فصول متعاقبة من الصيف والشتاء، ما أدى إلى تآكل الجثث وتحللها بشكل كامل.
ويؤكد أبو الريش، أن الأولوية اليوم هي إدخال معدات ثقيلة وآليات رفع الأنقاض، إضافة إلى توفير الوقود وقطع الغيار، محذرًا من أن استمرار الوضع الحالي يعني بقاء آلاف الشهداء تحت الركام دون إمكانية الوصول إليهم.
ففي قطاع غزة، لا يقتصر المشهد على دمار المباني فقط، بل يمتد إلى جرح مفتوح في ذاكرة العائلات، حيث يتحول الركام إلى مقابر جماعية مؤجلة، والدفاع المدني إلى شاهد عاجز أمام كارثة إنسانية تتفاقم يومًا بعد يوم.
























