شبكة نوى، فلسطينيات: ماذا يعني أن تأتي الدورة الشهرية لامرأة أو فتاة في خيمة نزوح تفتقر إلى أدنى مقومات النظافة الشخصية والخصوصية؟ سؤال يتكرر شهرًا تلو الآخر على نساء قطاع غزة، في ظل سنوات إبادة تعرّض فيها القطاع لأبشع أنواع الحصار والقتل والتجويع. خاضت هؤلاء النساء حربًا موازية لا تُصوَّر ولا تُذاع، حربًا على أبسط مستلزمات الجسد وأكثرها خصوصية، فقرابة 700 ألف امرأة وفتاة في سن الحيض يواجهن كابوسًا شهريًا متكررًا: كيف تُدار الدورة الشهرية حين تختفي الفوط، ويشح الماء، وتنعدم الخصوصية؟
المعاناة كانت مضاعفة بالنسبة للنساء، فهن وحدهن من يعشن ألمها الجسدي والنفسي، وهن وحدهن من يقضين ساعات في القلق والتوتر خشية أن تختفي الفوط الصحية من الأسواق مجددًا، أو يرتفع ثمنها حتى تصبح ترفًا لا تقدر عليه إلا القليلات. تجارب كثيرة ترويها نساء وفتيات لنوى، في اليوم العالمي للصحة والنظافة خلال الدورة الشهرية.
تقول أم علاء، في الخمسين من عمرها وأم لأربع فتيات، إن إحدى بناتها جاءتها الدورة الشهرية للمرة الأولى وهي نازحة في إحدى المدارس: "كان الأمر قاتلًا بالنسبة لي كان تفكيري ينصب على كيفية توفير الفوط الصحية من ناحية، والمياه النظيفة من ناحية أخرى أما دخول الحمام فكان مأساة لا يمكن وصفها"
اليوم بات الأمر أقل وطأة من حيث الخصوصية، بعد أن حصلت العائلة على خيمة وتمكنت من تجهيز حمام خاص، لكن ما يظل مصدر قلقها الدائم هو احتمال اختفاء الفوط من الأسواق مجددًا. تقول: "ما هو متوفر ليس الأفضل، لكنه يفي بالغرض ويمنح بناتي شيئًا من الأمان والراحة".
ولا تنسى أم علاء كيف كانت تطوف الأسواق بحثًا عن الفوط، فإن وجدتها كان ثمنها أضعاف سعره الأصلي تقول: "أمام الحاجة أضطر إلى شرائها، حتى لو على حساب طعامنا وشرابنا".
لا يختلف حال أم سليمان، الثلاثينية النازحة من مدينة رفح، تروي كيف اضطرت خلال الإبادة إلى استخدام الفوطة الصحية يومًا كاملًا، بعد أن كانت تغيرها كل ساعتين تقول: "كثير من المرات اضطررنا إلى استخدام قطع القماش بسبب انقطاع الفوط، وهو ما انعكس على حالتي الصحية والنفسية، ناهيك عن المزيد من الالتهابات والحساسية، وخوف من النوم خشية أي تسريب، كنت في حالة توتر دائم".
ولا تنسى أم سليمان أنها قبل نزوحها من رفح كانت تحيط بها عائلات نازحة من شمال القطاع تركت خلفها كل شيء، تقول: "كثير من النساء كن يقصدن بيوتنا بحثًا عن فوط صحية، أو قطع قماش تغني عنها، كان الأمر قاسيًا سيما على الفتيات الصغيرات".
في تلك الفترة، تداولت النساء فيما بينهن نصائح تخفف من وطأة الدورة الشهرية "قرصان من الأكامول لتخفيف النزيف، والابتعاد عن المشروبات الساخنة".
اليوم تجمع أم سليمان أكياس الفوط وتخزنها بهوس لا تستطيع تفسيره لمن لم يعش ما عاشته. تقول: "مستلزمات النظافة أهم من الأكل والشرب، لأننا لا نستطيع أن نتحدث عن هذه الاحتياجات أصلًا".
كل يوم تقريبًا، تجلس أم حسن، أم لثلاث فتيات، في زاوية صف دراسي تحول إلى مأوى للنزوح، وتعيد ترتيب ما تبقى من فوط وصابون بأصابع تحفظ عدد كل قطعة عن ظهر قلب لأن مجرد رؤيتها يمنحها شعورًا بالأمان.
تقول بصوت منخفض: "كل شهر بصير عندي رعب، دائمًا أفكر في بناتي وكيف يمكن أن يتصرفن حال انقطعت الفوط، ونعيد تجارب سابقة مريرة، أخشى ألا أجد الفوط والصابون، وحتى لما بلاقيهم، الأسعار بتكون نار".
وعن الخصوصية تقول: "دخول الحمام بحد ذاته معضلة، لكن الهاجس الأكبر هو انقطاع الفوط وكل ما يضمن النظافة الشخصية من مياه نظيفة وصابون".
في مدرسة مكتظة بدير البلح، تجلس آية محمد، في العشرينيات من عمرها، على حافة مقعد دراسي لا يتسع لجسدها، تقول: "حين نفدت الفوط من متناول يدي لم يكن أمامي الكثير من الخيارات بدأت، كغيري من النساء في المركز، باستخدام قطع قماش قديمة ومناديل ورقية، لكن المشكلة الأكبر كانت: كيف أغسلها وأنظفها، في وقت حتى القماش تآمر علينا وأصبح شحيحًا".
في تقاريرها الميدانية الصادرة خلال عامي 2025 و2026، لم تجد وكالات الأمم المتحدة كلمات تصف ما ترصده سوى كلمة واحدة: كارثة.
فوفق صندوق الأمم المتحدة للسكان UNFPA، تحتاج غزة إلى أكثر من عشرة ملايين فوطة صحية شهريًا لتغطية الحد الأدنى من احتياجات النساء والفتيات، غير أن الحصار الكامل المفروض منذ مارس 2025 أفضى إلى نفاد شبه تام لهذه المستلزمات. وحين تطل الفوطة في الأسواق يكون سعرها قد تضاعف خمس مرات عما كان عليه قبل الحرب. كما رصد الصندوق أن ما يقارب 90% من البنية التحتية للمياه والصرف الصحي في القطاع طالها الدمار، فيما تعاني تسع من كل عشر أسر من شح حاد في المياه، مما يجعل إدارة الدورة الشهرية بأدنى مستويات النظافة ضربًا من المستحيل.
أما التبعات الصحية فتتوقع تقارير UNFPA الصادرة في مارس 2026 أن تعاني نحو 170 ألف امرأة وفتاة من التهابات في الجهاز التناسلي والمسالك البولية وأمراض جلدية مزمنة، معظمهن دون أي أفق للعلاج في ظل انهيار المنظومة الصحية. ووثقت UN Women أن أكثر من 540 ألف امرأة وفتاة في سن الإنجاب باتت تلجأ إلى القماش والإسفنج بديلًا اضطراريًا.
























