شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الجمعة 13 فبراير 2026م23:32 بتوقيت القدس

في يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني..

صحافيون يستذكرون أسماءً لم تُطوَ وأصواتًا لم تنكسر

31 ديسمبر 2025 - 16:08

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لا يعمل الصحفي/ـة الفلسطيني/ـة في قطاع غزة ضمن شروط مهنية طبيعية، بل داخل بيئة إبادة مفتوحة. الاستهداف لم يقتصر مرةً على الميدان، بل لاحقه في بيته، وفي أماكن نزوحه، وحتى داخل محيط عائلته، في واقع يشترك فيه مع كل أبناء القطاع، لكن مع خطر إضافي مباشر بسبب حمله الكاميرا والقلم، وذلك الدرع الذي صار علامةً مكشوفةً للرصاص في زمن القتل الجماعي.

اليوم، الموافق 31- ديسمبر/ كانون الأول لعام 2025م، يحيي الصحافيون الفلسطينيون في قطاع غزة، يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني. ذلك اليوم الذي لا يشبه المناسبات الرمزية المعتادة، بقدر ما يُشبه الوقوف أمام مرآة الفقد.

هو يومٌ تُستعاد فيه أسماء زملاء لم يعودوا من التغطية، وتُقلب فيه صورٌ بقيت معلّقة عند لحظة أخيرة، وقصص انقطعت قبل أن تُروى كاملة.

في غزة، لا يُستدعى هذا اليوم للاحتفاء بالمهنة، بل لتجديد العهد مع من دفعوا حياتهم ثمنًا للحقيقة، وللتذكير بأن الصحافة هنا ليست خيارًا مهنيًا، بل موقفًا أخلاقيًا يُدفع ثمنه دمًا.

يرى الصحفي رائد لافي أن التحديات التي يواجهها الصحفيون والصحفيات في قطاع غزة لا تنفصل عن معاناة المجتمع ككل، لكنها تتضاعف بحكم المهنة. "فالملاحقة تطال الصحفي في الميدان والبيت معًا، يضاف إليها الانقطاع الكامل للكهرباء منذ الثامن من أكتوبر، والتدهور الحاد في خدمات الإنترنت، ما أعاق العمل الصحفي وفرض معركة يومية مع الوقت والإمكانات المحدودة، حيث يصبح إرسال مادة صحفية بحد ذاته إنجازًا يُنتزع بشقّ النفس" يقول.

وتؤكد الصحفية أنسام القطاع أن شحّ المعدات الأساسية، من خوذ ودروع واقية وكاميرات وميكروفونات، شكّل خطرًا حقيقيًا على حياة الصحفيين/ات، في ظل القيود المشددة التي فرضها الاحتلال على إدخال المعدات الصحفية.

استشهاد 257 صحفيًا وصحفية في غزة ليس رقمًا عابرًا، بل شهادة دامغة على أن الصحفي الفلسطيني نجح في كسر الرواية الإسرائيلية المضللة، وإيصال صوت غزة إلى العالم.

وتضيف: "العمل يتم اليوم بأدوات بالية، دون أي إمكانية للتعويض، مع صعوبات حادة في التنقل، خاصة في شمالي القطاع، حيث اضطر صحفيون إلى قطع مسافات طويلة سيرًا على الأقدام، تحت القصف والتحليق المستمر للطيران، في مشهد يختصر هشاشة الجسد أمام آلة الحرب".

ويشير الصحفي محمد أبو شحمة إلى أن تدمير مكاتب المؤسسات الإعلامية أجبر الصحفيين، خلال عامين من الإبادة، على العمل من خيام مهددة بالغرق أو من أماكن غير آمنة، مع انعدام شبه دائم للكهرباء والإنترنت.

هذا الواقع -كما يقول- لا يعرقل فقط سرعة الإنجاز، بل يضرب جوهر العمل الصحفي، حين يتحول البحث عن مأوى آمن إلى أولوية تتقدم على صياغة الحقيقة.

ويجمع الصحفيون على أن الاستهداف المباشر بات التحدي الأكبر والأخطر. ويؤكد لافي أن استشهاد 257 صحفيًا وصحفية في غزة ليس رقمًا عابرًا، بل شهادة دامغة على أن الصحفي الفلسطيني نجح في كسر الرواية الإسرائيلية المضللة، وإيصال صوت غزة إلى العالم، في وقت مُنعت فيه الصحافة الأجنبية من دخول القطاع، فكان الصحفي المحلي هو العين الوحيدة المفتوحة.

وترى الصحفية شروق شاهين أن الصحفي الفلسطيني لم يعد ناقلًا للخبر فقط، بل شاهدًا مباشرًا على إبادة يُحاول العالم إنكارها أو تمييعها. هذا الدور جعله هدفًا مباشرًا للاستهداف والتحريض، ومحاولات نزع الصفة المهنية عنه، وكأن الحقيقة نفسها باتت جريمة يُعاقَب حاملها.

تصف شروق الأثر النفسي لهذا الاستهداف بأنه خوف دائم، وإحساس قاسٍ بأن النجاة مؤقتة. فقدان زملاء خرجوا للتغطية ولم يعودوا جعل فكرة الموت ملازمة لكل مهمة. وتقول: "الصحفي لا يتعايش مع الخطر لأنه اعتاده، بل لأنه تعلّم كيف يعمل وهو محاصر به، في واقع لا يمنحه رفاهية الاختيار".

ويستحضر لافي لحظة ذهابه إلى ثلاجة الموتى للتعرف على زميله الشهيد محمد منصور، متمنيًا أن يكون الخبر كاذبًا، وأن يكون محمد ما زال على قيد الحياة. ورغم قسوة الفقد، يؤكد أن هذه الصدمات لم تدفع الصحفيين إلى التخلي عن مهنتهم، بل زادت إصرارهم على الاستمرار، كأن البقاء في الميدان بات فعل وفاء لمن رحلوا.

بدورها، تشير أنسام القطاع إلى أن إصابتها خلال التغطية شكّلت لحظة فارقة، خاصة في ظل انهيار النظام الصحي وصعوبة العلاج. الألم كان مضاعفًا، والخوف من تكرار الإصابة حاضرًا باستمرار، لكنها تؤكد أن ذلك لم يتحول إلى قرار بالتوقف، لأن الانسحاب في هذه اللحظة يعني ترك الحقيقة وحيدة في الميدان.

ولا تقتصر التحديات على الاحتلال فقط، بل تمتد إلى المجتمع نفسه. يوضح الصحفي أبو شحمة أن الاستهداف الممنهج خلق حالة خوف لدى المواطنين، جعلت بعضهم يتجنب التعامل مع الصحفي خشية أن يكون هدفًا، بل وصل الأمر أحيانًا إلى رفض استئجار البيوت أو استخدام وسائل النقل، ليجد الصحفي نفسه معزولًا داخل معركته.

ورغم كل القيود والاستهداف، يؤكد الصحفيون/ات أنهم نجحوا في إيصال صورة غزة إلى العالم. وترى شروق شاهين أن هذا النجاح لم يكن سياسيًا بقدر ما كان أخلاقيًا وإنسانيًا ومهنيًا، إذ فُرضت حقيقة الإبادة على الرأي العام العالمي بالصوت والصورة والاسم والتاريخ.

في يوم الوفاء للصحفي الفلسطيني، لا تُرفع الرايات بقدر ما تُستحضر الوجوه. وجوه من رحلوا وهم يحملون الكاميرا كدرع أخير، وكتبوا الحقيقة وهم يعلمون أن ثمنها قد يكون حياتهم. في غزة، الصحافة ليست مهنة تُمارَس، بل شهادة تُؤدّى، وذاكرة تُحمى، ووعد بألا يُترك هذا الدم بلا رواية.

كاريكاتـــــير