شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م08:59 بتوقيت القدس

مُنخَفَض.. وأرواحٌ تغرق بدموع القهر في خيام غزة!

16 ديسمبر 2025 - 09:02

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

مع أولى ساعات الصباح، وبعد ليلة طويلة من الرياح العاتية والأمطار الغزيرة، بدت خيام النازحين في ميناء غزة البحري كأنها بقايا معركة خاسرة مع الطبيعة. أرض موحلة، أغطية غارقة بالماء، وفرشات أثقلها البلل، وأطفال يرتجفون من البرد، فيما تحاول شمس خجولة أن تتسلل إلى المكان، بلا قدرة حقيقية على إنقاذ ما أفسدته العاصفة. هنا، لا تُقاس الكارثة بكمية المطر، بل بحجم الضعف الإنساني الذي يتجدد مع كل منخفض جوي.

أمام خيمتها المنصوبة قرب الميناء، انهمكت سمر فياض (41 عامًا) مع زوجها خليل (46 عامًا) وأطفالهما في نشر الملابس والأغطية على حبال ثبتوها قرب الخيمة، على أمل أن تجف بعد أن غمرتها مياه الأمطار.

"كنا نرفع الفرشات بأيدينا، ونحاول إنقاذ الطعام، فيما الماء يحيط بنا من كل جانب، والبرد ينهش أجساد أطفالنا".

سمر، النازحة من بيت حانون شمالي القطاع بعد تدمير منزلها، تقول: "إن الخيمة لم تعد ملاذًا، بل مصدر خوف يومي". فمنذ بدء المنخفض الجوي، اضطرت العائلة إلى إخلاء الخيمة أكثر من خمس مرات، بعدما تسربت المياه إلى داخلها وأغرقت كل ما فيها، لتتحول الليالي إلى سباق مع الغرق والبرد.

تروي سمر تفاصيل تلك الساعات القاسية: "كنا نرفع الفرشات بأيدينا، ونحاول إنقاذ الطعام، فيما الماء يحيط بنا من كل جانب، والبرد ينهش أجساد أطفالنا". وبينما كانت منشغلة بمحاولة صدّ المياه، لم تنتبه إلى أن جسد رضيعها حمدي، البالغ من العمر شهرين، كان ممددًا فوق أرض ابتلعتها المياه.

أُصيب الطفل بنوبة برد حادة، قبل أن تحمله والدته مذعورة وتنتشله من الخطر. تخبرنا وهي تضمه إلى صدرها: "أنقذته في اللحظة الأخيرة، لكن الخوف ما زال يسكنني". لم ينجُ بقية الأطفال أيضًا، إذ أصيبوا جميعًا بأمراض الشتاء، في خيمة لا تقيهم بردًا ولا مطرًا.

إلى جوارها، يقف خليل فياض محاولًا تجفيف ما تبقى من متعلقات الأسرة. يقول بأسى: "الخيمة لم تعد صالحة للحياة، وأسرتي تعيش في قلق دائم من أي منخفض جديد، في ظل انعدام البدائل".

يخشى فياض تكرار حوادث الغرق، ويشير إلى غياب الخيام الجديدة أو حتى قطع نايلون سميكة تحميهم من المطر. ويحمّل الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية هذا الواقع، متهمًا إياه بتعمد منع إدخال البيوت المتنقلة والخيام والشوادر، في سياسة تزيد الخناق على سكان القطاع وتدفعهم إلى مزيد من المعاناة.

وغير بعيد عنهما، جلست سهيلة الهشيم تحت أشعة الشمس تحاول استعادة شيء من الدفء، بعد أن غرقت خيمتها بالكامل. أسرتها المكونة من تسعة أفراد أمضت ساعات طويلة في محاولة إخراج المياه، دون جدوى.

"كل الاحتياطات التي اتخذناها قبل المنخفض، من نايلون وأغطية إضافية، صمدت لدقائق فقط أمام غزارة الأمطار".

تقول لـ"نوى": "كل الاحتياطات التي اتخذناها قبل المنخفض، من نايلون وأغطية إضافية، صمدت لدقائق فقط أمام غزارة الأمطار". وتحذر من كارثة أكبر في حال تكرار المنخفضات، وتناشد المجتمع الدولي إدخال بيوت متنقلة وتوفير الأغطية والفرشات، قبل أن يتحول الشتاء إلى موسم موت مفتوح.

بدورها، وصفت النازحة ومديرة ثمانية مخيمات في غزة، إنعام البطريخي، الأيام الماضية بأنها من الأصعب على الإطلاق. وأكدت أن الرياح العنيفة والأمطار الغزيرة تسببت في تطاير الخيام وغرقها، خاصة في منطقة الميناء، مشددة على أن هذه الخيام لا تصلح لأن تكون مأوى إنسانيًا.

ودعت إلى إنهاء سياسة الاكتفاء بالخيام، والعمل الجدي على إدخال بيوت متنقلة مؤقتة، بالتوازي مع الشروع في إعادة الإعمار، مشيرةً إلى أن إدخال الاحتياجات الثانوية وحرمان الناس من الأساسيات سياسة لا تحمي الأرواح.

أما المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، محمود بصل، فيصف ما جرى ويجري خلال المنخفضات الجوية التي تضرب قطاع غزة، بأنه وضع كارثي بكل المقاييس.

يقول لـ"نوى": "عشرات الآلاف من الخيام غير صالحة لسكن البشر، والمنخفض الأخير كشف فشلها كحل إيوائي. لقد استشهد 15 نازحًا نتيجة انهيار مواقع إيوائهم، من بينهم ثلاثة أطفال توفوا في أحضان أمهاتهم، في مشهد يلخص قسوة الواقع".

ويؤكد أن نحو 90% من مخيمات الإيواء تضررت، مطالبًا بتحرك دولي عاجل، لأن أرواح الفلسطينيين لا تحتمل مزيدًا من التجاهل.

كاريكاتـــــير