شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م21:45 بتوقيت القدس

بعد الغرق في وجع الفقد..

نقل جثامين الشهداء بغزة.. عبورٌ إلى "وحشة الغِياب"!

11 مارس 2025 - 10:39

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

لم يكن سهلًا على "يوسف العجرمي" أن يترك ابنه الشهيد مدفونًا في قبرٍ عشوائيٍ داخل مستشفى المعمداني

جنوبي مدينة غزة.

كان ينتظر بفارغ الصبر، اللحظة التي تنتهي فيها الحرب لينقله إلى مقبرة منطقتهم الرسمية، في قبرٍ حقيقي، يحمل شاهده اسمه وعمره، وتاريخ استشهاده.

"دُهشت لما رأيت جسد ابني كاملًا! وكأنه استشهد للتو. هذا لم يكن مجرد نقل لجثة، كان انتقالًا من مرارة الحزن إلى وحشة الغياب".

أربعة أشهرٍ أشعلت في قلبه نارًا، منذ استشهد ابنه. هو لا يريد إلا أن يكرمه بالدفن في قبرٍ يليق بشهيد، وأن يزوره ويرش عليه الماء ليبقى اسمه واضحًا لكل من مرّ ليترحّم.

أُعلن وقف إطلاق النار في يناير الماضي، وتمكن العجرمي أخيرًا من نقل ابنه "كرم" إلى مقبرة الفالوجا، بواسطة سيارة إسعاف، وبمراسم دفن رسمية، وبالتنسيق مع المستشفى.

يخبرنا: "دُهشت لما رأيت جسد ابني كاملًا! وكأنه استشهد للتو. هذا لم يكن مجرد نقل لجثة، كان انتقالًا من مرارة الحزن إلى وحشة الغياب".

ولم يكن نقل الجثامين التي دُفنت في قبور عشوائية مؤقتة، وتناثرت في الشوارع وتحت الأنقاض، بعد 14 شهرًا من القصف العشوائي، والمجازر البشعة بحق سكان قطاع غزة، مهمةً تُقضى وحسب، كانت عبورًا حقيقيًا بين وجع الفقد، ووجع الطريق.

وفاءً لزوجها

وأخيرًا، تمكنت أسماء من نقل جثمان زوجها الشهيد "سعيد" إلى مثواه الأخير، بعد أكثر من عام على ارتقائه، حيث منعتها الهجمات الشرسة التي شنتها قوات الاحتلال الإسرائيلي على غزة وشمالها، من دفن زوجها وتوديعه، وأجبرتها على النزوح.

تقول لـ"نوى": "تلقيت خبر استشهاد زوجي في وقت كنت محاصرة فيه أنا وأبنائي وعائلة زوجي، ونتعرض للقصف من كل جانب، ولم نستطع أن نخرج أصلًا من المنزل لدفنه أو توديعه. دفنه شقيقه بشكل عشوائي في شارع الصحابة".

""ودّعته وكأنه استشهد للتو. كنت أهرب من التفكير في هذه اللحظة دائمًا، لكنني قررت المواجهة حتى أجد له قبرًا أزوره فيه على الدوام".

نقلت أسماء زوجها بصعوبة بالغة بسبب وعورة الطرقات، ونقص الأدوات، مبينة أنها استخدمت أدوات تقليدية للحفر، لم تساعدهم على إنجاز المهمة بسرعة وسهولة.

ووصفت لحظة نقله بالصعبة والقاسية، "وكأنه استشهد للتو"، موضحة أنها كانت تحاول الهرب من هذه اللحظة دائمًا، ولكن واجبها تجاه زوجها هو الذي دفعها لذلك، "وحتى أجد قبرًا أزوره فيه وقتما شئت" تعقب.

وشارك طلال بكر في نقل جثمان ابنة عمه إلى مثواها الأخير، ونقل شهداء آخرين من أقربائه وأصدقائه إلى المقابر بعد فترة من دفنهم في أماكن عشوائية، أو بقائهم تحت الركام.

"هذه مواقف تهتز لها القلوب وتدمع لها العيون. مواقف تختلط فيها رهبة الموت بحقيقة الفراق، لكنها في ذات الوقت، مشاهد وفاء ورحمة".

يتابع: "هذا شرف عظيم لكنه أيضًا وجع لا يعرفه إلا من عاشه. نحن نلملم بقايا أحلامهم، ونحملهم بحذر، فهناك منهم المتحلل، ومنهم من بقي منه عظامه فقط"، مردفًا بحرقة: "هذه مواقف تهتز لها القلوب وتدمع لها العيون. مواقف تختلط فيها رهبة الموت بحقيقة الفراق، لكنها في ذات الوقت، مشاهد وفاء ورحمة".

وواجه بكر صعوبات كثيرة خلال عملية النقل، من ضمنها نقص أدوات الحفر والآليات، موضحًا أن عدم توفر السولار كان سببًا في عدم توفير جرافات تساعد في الحفر.

يعقب: "كأن الأرض نفسها تئن من ثقل المهمة. نحمل الأجساد ونحاول ألا نغرق في دموع العيون، التي ترقبنا من بعيد، وكلما سلمنا شهيدًا إلى قبره، كأننا ندفن جزءًا من أرواحنا معه، بجانب التكاليف المالية الكبيرة، سواء تكاليف المواصلات أو بناء القبور".

ووفقًا للشيخ عماد حمتو، فقد أجاز الشرع نقل الميت بعد دفنه من مكان إلى آخر، لرفع ضرر لا يمكن رفعه إلا بنقلهم، وبشرط ألا يتضرر حال نقله، وألا تنتهك حرمته، وأن يكون لمصلحة، "كأن يخاف عليه أن يأكله البحر أو ترجى بركة الموضع المنقول إليه، أو ليدفن بين أهله، أو لأجل قرب زيارة أهله".

وحتى هذه اللحظة، لا تزال جثامين شهداء متناثرة في الطرقات والمدارس والمرافق العامة والشوارع، بالإضافة إلى آلاف الجثث التي لا تزال تحت الأنقاض، وصارت رفاتًا وبقايا عظام، حيث يجد الدفاع المدني نفسه عاجزًا عن انتشالها.

مجهولي الهوية 

ويقول المتحدث باسم الدفاع المدني محمود بصل لشبكة "نوى": "دورنا متعلق في نقل الجثث من تحت الركام، ولم نتمكن من نقل غالبيتها بسبب عدم إدخال الأدوات الثقيلة للحفر وإزالة الركام".

وكانت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية، صرحت بأن مساحات شاسعة من الأراضي قرب السياج الشرقي الفاصل، ستكون أكبر مقبرة شرعية؛ لنقل جثامين الشهداء، لكن توتر الوضع الأمني في تلك المنطقة يؤخر هذه العملية.

"منذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشال ما يقارب 700 جثة، غالبيتهم مجهولي الهوية".

ويوضح بصل أنه ومنذ بدء سريان اتفاق وقف إطلاق النار، تمكنت طواقم الدفاع المدني من انتشال ما يقارب 700 جثة، غالبيتهم مجهولي الهوية، خاصة ممن كانوا موجودين في المنطقة المسماة "محور نتساريم"، والمناطق الشمالية لمدينة رفح.

وحتى اللحظة لا يزال قطاع غزة في انتظار وصول عدد كاف من المعدات الثقيلة، اللازمة لإزالة الركام وانتشال الشهداء.

كاريكاتـــــير