غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
داخل خيمةٍ، ووسط الحر الشديد، تنشغل رضا مصلح (17 عامًا) وأسماء الجندي (22 عامًا) بتحضير المشروبات الساخنة للزبائن في الخارج.
ورغم الانسجام بجو العمل، إلا أن عيون الشابتين كانتا تخفيان حزنًا عظيمًا وغصة، حيث وجدتا نفسيهما فجأة تعيلان وحدهما أسرة مكونة من 7 أفراد.

رضا وأسماء نازحتان في خيمةٍ من القماش بمستشفى شهداء الأقصى بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، وقد بدأت حكايتهما مع هذا العمل، بعدما تعرّض زوج أسماء ووالده (حماها) للإصابة خلال الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي أعلنها الاحتلال الإسرائيلي في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي.
تحدثت أسماء إلى "نوى" بعد أن انتهت من تحضير القهوة، التي حملتها رضا إلى الخارج. قالت: "كنا نسكن مدينة بيت حانون شمالي القطاع، ومع اندلاع الحرب منذ اليوم الأول، نزحت عائلة زوجي إلى بيت ابنتهم بحي الشيخ رضوان، وأنا ذهبتُ لبيت أهلي في الشجاعية شرقي مدينة غزة".
مرت الأسرة بنزوحٍ تلو آخر، حتى استقر بها الحال نهايةً في مستشفى شهداء الأقصى، بمدينة دير البلح وسط القطاع، برفقة آلاف النازحين الذين يمكثون في خيام من القماش والنايلون.
في اليوم الثالث من الحرب، تعرّض منزل مجاور لبيت شقيقة زوج أسماء للقصف، فأصيب كل أفراد العائلة، بينما استشهد ابن صاحبة البيت، الذي لم يكن قد تجاوز العام الأول من عمره، "بل إن العائلة قالت إنها لم تجد له أثرًا بعد أن تفتت جسده تمامًا".
كان من بين المصابين زوج أسماء وحماها، فأصبحا غير قادرين على العمل، أو توفير احتياجات الأسرة، ومنذ ذلك الحين، مرت الأسرة بنزوحٍ تلو آخر، حتى استقر بها الحال نهايةً في مستشفى شهداء الأقصى، بمدينة دير البلح وسط القطاع، برفقة آلاف النازحين الذين يمكثون في خيام من القماش والنايلون.
وسط هذه الأجواء التي يطغى الفقر على كل تفاصيلها، عاشت العائلة المكوّنة من أسماء وطفليها، ورضا وشقيقاتها الثلاث بلا معيلٍ ولا مصدر دخل.
تضيف أسماء: "وحدي هنا مع أطفالي وأخوات زوجي، نعيش على طعام التكيات الذي لا يكفي لشيء، لا نملك المال أبدًا، ففكرت بضرورة إيجاد مشروع يناسبنا ننفق به على أنفسنا"، مردفةً بالقول: "عرضنا أنا ورضا الفكرة على الصحفيين الذين يعملون في نقطة العمل بمستشفى شهداء الأقصى، فتشجع غالبيتهم لذلك، وبالفعل بدأنا العمل".
لا يكفي الدخّل الذي يدره المشروع لمصرفات العائلة، لكن رضا تؤكد: "وجود مصدر دخل وبعض المال معنا أفضل من لا شيء. صحيحٌ لا يكفي كل احتياجاتنا ولكن على الأقل نستطيع شراء الأكثر أهمية منها".
تعود أسماء لتقليب القهوة وهي تحضّر طلبًا جديدًا لزبائنها، وتتنهد بحسرةٍ على أيامٍ قضتها في بيتها بمدينة بيت حانون، كانت فيها معززةً تحت كنف زوجها وأهلها هناك. "كل ذلك أصبح ركامًا" تعقب بقهر وتبكي.
تكمل عنها رضا الحديث فتزيد: "بيتنا كان جميلًا وهادئًا وواسعًا، مثل كل البيوت في المناطق الزراعية. تركتُ فيه صورًا لأمي التي توفيت قبل 8 سنوات، وفيه أيضًا مقتنيات لها، وفيه كل ذكرياتي وكتبي الدراسية ودفاتري، وحياتي المستقرة. كله أصبح تحت الركام".
وتتابع: "بكينا عندما علمنا بتدمير البيت، ولكن في هذه الحرب نبكي على أرواح آلاف البشر، فلماذا نبكي على الحجر؟".
كانت رضا التي بدأت في الصف الثاني الثانوي عندما اندلعت الحرب، تمنّي نفسها بعام دراسي هادئ مع اختيارها للتخصص الأدبي الذي تحبه، كتمهيدٍ لتحقيق حلمها بالالتحاق بالجامعة، لكن كل شيءٍ انهار فجأة.
وتكمل: "هذا العمل لم يكن يومًا لي، ولا يناسبني. اخترته لأنه لا خيارات أمامي، والأصل أن أكون على مقاعد الدراسة. العمل متعب جدًا ولكن عليّ أن أوفر مصدر دخلٍ لعائلتي".
"لما كنا عايشين في دارنا في بيت حانون كنا بخير وحياتنا حلوة، ولما نزحنا صرنا نعتمد على التكيات".
الطفلة دارين (8 سنوات)، هي أصغر شقيقات رِضَا، وقد أصرّت على البوح بما تشعر به فقالت: "يوم ما صار القصف تصاوبنا كلنا، لما كنا عايشين في دارنا في بيت حانون كنا بخير وحياتنا حلوة، ولما نزحنا صرنا نعتمد على التكيات، صحيح أنا متعودة على أكل البيت، والتكيات مش أكل مناسب، بس الشمال في غزة فيه مجاعة. بتمنى تخلص الحرب ونرجع نعيش بأمان".
وخلفت حرب الإبادة على مدار 11 شهرًا، أكثر من 40 ألف شهيدًا، غالبيتهم من النساء والأطفال، وشرّدت أكثر من مليون و900 ألف مواطن.
























