غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
ما أن تجتاز أول ممرات قسم العظام في مستشفى شهداء الأقصى، وسط قطاع غزة، حتى تصفعك صدمةٌ كُبرى! ستنهمر دموعك دون وعيٍ، وتتساءل: "أي ذنبٍ اقترفته هاتان الطفلتان حتى يحدث لهما هذا؟".
طفلتان، لا يتجاوز عمر أكبرهما أربع سنوات، ممدّدتان على أحد الأسرّة، إحداهما مبتورة الساقين، ووجهها تملؤه ندوب الشظايا، والأخرى بُترت لها قدم.
تنظر ناحيتهما، فتسمع أنينًا: "ماما، بدي ماما، بدي أشرب ميا"، ثم تعود إلى حالةٍ تشبه الإغماء، وإلى جوارهما تجلس العمّة غارقة ببكائها حزنًا على كل من فقدته من العائلة!
لم يكن يوم الثالث من أيلول/ سبتمبر الماضي، عاديًا بالنسبة لحنان الدقّي (3 سنوات)، وشقيقتها مسك (عامٌ و9 شهور)، اللتان تقطنان مدينة دير البلح وسط قطاع غزة، فقد كانتا على موعدٍ مع كارثة قلبت حياتهما للأبد.
تقول عمتهما شفا الدقي: "بنات أخي فقدن كل شيء في لحظة واحدة، أمهن شيماء استشهدت، ووالدهن في العناية المركزة بين الحياةِ والموت، والطفلتان فقدتا أطرافهما".

تعود العمّة للبكاء وإلى جوارها طفلها عمر يبكي طفلات خاله، تمسح دموعه، وتحكي: "في ذلك اليوم ذهبت زوجة أخي بشكلٍ طبيعي إلى العيادة؛ لتطعيم طفلتيها ضد فايروس شلل الأطفال. كان يومها يشهد هدنة إنسانية زعمها الاحتلال لهذا الغرض".
وتتابع بحرقة: "ثلاثتهن عُدن إلى البيت، وأمضين الوقت بشكلٍ اعتيادي، حتى أتمت الساعة الرابعة، فإذا بصاروخين يستهدفان الشقة! قُتلت زوجة أخي، وأصيب هو إصابة خطرة، بينما بُترت أقدام الطفلتين".
منذ أعلن الاحتلال الإسرائيلي حربه على قطاع غزة يوم 7 أكتوبر 2023م، وعلى مدار 11 شهرًا، قتلت أسلحتهم أكثر من 40 ألف فلسطيني، بينهم أكثر من 10 آلاف طفلٍ ومثلهم من النساء، في حرب إبادة تسببت أيضًا في إحداث إعاقات لأكثر من 10 آلاف إنسان نصفهم من الأطفال، وفق إحصائية لشبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية.
عودة إلى العمة شفا، التي تابعت: "أنا نازحة من جباليا شمالي قطاع غزة منذ بداية الحرب، جئت هنا إلى بيت أهلي القريب من بيت أخي، وكانت طفلتاه على الدوام تأتيان للعب مع أطفالي الصغار. كانت أمهما شيماء مقبلة على الحياة، وكأي أمٌ تسعى لأن يكون لبناتها مستقبل جميل، تحميهن بكل السبل".
تقلّب العمة مقاطع فيديو للطفلة حنان على هاتفها النقال، وتجهش بالبكاء: "كانت حنان طفلة مليئة بالحياة، تحب الرقص واللعب بالجوال. حضورها جميل وكثيرة الضحك، نفرح حين تدخل البيت".

تسكتُ قليلًا لتخلو مع حزنها، وتكمل: "حنان منذ إصابتها نائمة، لا أسمع سوى صوت أنينها ونداءاتها على أمها، ولا أدري ماذا أفعل كي أجعلها تهدأ، وهل ستفهم أصلًا معنى كلمة موت".
في قلب شفا حزن كبير على زوجة شقيقها التي تصفها بأنها: "صبية صغيرة السن، عمرها 25 عامًا، ومن هن مثلها ما زلن في بداية حياتهن، وأخي عمره 33 عامًا، كان يدلل طفلتيه، ومتعلق بهما جدًا".
تستغرب العمّة كيف يُمنح الأطفال التطعيم، وفي ذات اليوم يتم قصفهم وقتلهم رغم الهدنة "المزعومة".
تستغرب العمّة كيف يُمنح الأطفال التطعيم، وفي ذات اليوم يتم قصفهم وقتلهم رغم الهدنة "المزعومة"، وتتساءل: "أي تناقض يعيشه هذا العالم الذي لم يسمع نداءات آلاف الأطفال، الذين يُقتلون يوميًا في قطاع غزة؟".
وتزيد شفا: "حنان ما زالت تفيق وتغفو مجددًا. لقد أُجريت لها عملية في الأمعاء، وعندما استيقظَت اليوم شعرت بعدم وجود قدمها لكنها عادت للنوم، لا أدري كيف أجيبها حين تسألني عن قدمها؟ لا أدري كيف أردّ حين تسأل عن والدتها. أنا عمتها أستطيع تقديم الحب والرعاية لها، ولكن الأطفال لا يرتاحون سوى في حضن أمهاتهم".

تبكي مجددًا وتكمل: "حنان في عمر ابنتي، وكانتا تتبادلان الملابس منذ بداية الحرب. أنا أفكر كيف ستكون حالتها حين لا تجد لها قدمًا؟ كيف سيكون الحال حين ترى طفلة بعمرها تلبس الحذاء؟ كيف سيكون حالها حين لا تستطيع الجري والرقص والركض كما السابق؟ تحاصرني كل هذه الأسئلة، ولا أعرف كيف سأجد لها إجابة".
تناشد العمّة المكلومة العالم أن يوقف هذه الحرب التي قضت على الكثير من الأطفال، وأن تتدخل المنظمات الصحية والإنسانية لإنقاذ الأطفال الذين فقدوا ذويهم وأطرافهم بسرعة، من خلال تركيب الأطراف الصناعية لهم. وتختم:" أريد لرسالة حنان أن تصل، لا أريدها أن تكون وحدها".
























