غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"كان مكتبي يفتح بيوتًا. انظروا إلى حالي الآن، أجلس في خيمة وأنتظر طرود المساعدات"، قالتها صابرين أبو لحية بحسرة.
تشير السيدة (53 عامًا) إلى زوايا خيمتها المهترئة، وتبكي واصفةً حالها الذي انقلب رأسًا على عقب، منذ شنت دولة الاحتلال الحرب على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول من العام الماضي، فحصدت -حتى اللحظة- أرواح أكثر من 40 ألف ضحية، غالبيتهم من النساء والأطفال.
تقول لـ"نوى": "فرقٌ كبير بين الحياة التي صنعتُها لنفسي بجهد سنوات، وما أعيشه الآن. صرتُ أرملةً بعمرٍ صغير، وكان زوجي الراحل شريكًا في مدرسة لتعليم قيادة السيارات. في لحظةٍ قررتُ أنني لن أكون رقمًا عاديًا عندما عايرني أحدهم بأنني لا أحمل شهادة".
التحقت صابرين (المكناة بأم محمد) بالثانوية العامة مع بداية وصول السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة، وبعدها انضمت لدورة نظمتها وزارة النقل والمواصلات لتدريب مدربي سياقة، وكانت الأولى على المتقدمين، لتصبح لاحقًا أول امرأة تعمل إدارية ومدربة في ذات الوقت بعدما حصلت على دورة مدراء مهنيين.
تضيف: "بعدها التحقتُ بالجامعة، ودرستُ تخصص علم النفس، اخترتُ هذا الجانب بعناية، عندما كنتُ أحتاج حقًا إلى فهم الناس وآلية التعامل معهم، وفي ذات الوقت كنت أربّي أطفالي وأهتم بهم جميعًا".
مرت الأيام، وسرعان ما اشترت صابرين حصص الشركاء بالمدرسة، لتصبح وحدها مالكة مدرسة اسمها "الحرية".
على مدار سنوات، كانت مدرسة صابرين مصدر دخلٍ لموظفين يعملون معها، وبنت من ما كانت تدره عليها بيتًا كبيرًا وحديقة.
على مدار سنوات، كانت مدرسة صابرين مصدر دخلٍ لموظفين يعملون معها، أما هي فقد أسست بيتًا دققت في تفاصيله بعناية شديدة.
تخبرنا: "عمّرت لنفسي ولأبنائي فيلا ملحقة بحديقة. اخترت كل شيء فيها بدقّة، فمثلما نجحت في العمل كنت أحبّ أن تظهر آثار نعمة الله عليّ وعلى أبنائي".
منذ أن شنّ الاحتلال الإسرائيلي حربه على قطاع غزة، انقلبت حياة صابرين التي كانت يومها تستعد للذهاب إلى المكتب كأي يومِ عملٍ عادي، لكنها رغم وجودها في منطقةٍ شرقية تتّسم بالخطورة لقربها من الجدار الذي تتمركز قربه قوات الاحتلال، اختارت البقاء في بيتها.
تكمل: "جلستُ في البيت لشهرين، أنفق على العائلة من المخزون حتى ظهرت أزمة الخبز. كان عليّ أن أخبز لعائلتي في البيت وعلى النار التي أوقدها. وحتى ذلك الحين، لم أنتظر مساعدة أحد".
على طاولةٍ وسط الخيمة، تضع صابرين قهوتها، تأخذ منها رشفة قبل أن تتابع: "عندما هدّدَ الاحتلال منطقة القرارة وطالبَ الناس بالنزوح في كانون أول/ديسمبر 2023م، خرجتُ وتركت كل شيء خلفي حتى السيارة. تركتُها أمام باب البيت وخرجتُ بعائلتي".
بقيت أم محمد ضيفة لدى أحد أقاربها بمدينة دير البلح حتى شباط/ فبراير 2024م، وسرعان ما انتقلت إلى خيمةٍ في مدينة رفح حيث تقيمُ بناتها. "لكن عندما اجتيحت رفح في مايو، انتقلتُ لخيمةٍ في مواصي القرارة إلى الغرب من مدينة خانيونس جنوبي القطاع" تستدرك.
بقهرٍ تقول: "فرقٌ كبيرٌ بين أن أعيش في فيلا بحديقة تتوسطها استراحة، وما أنا عليه الآن من عيشة كلها شقاء". وتكمل: "عندما ذهبت إلى القرارة بعد الانسحاب الإسرائيلي صُدمت لمّا رأيتُ بيتي كله على الأرض، مدمّر بالكامل، حتى السيارة التي خرجتُ بدونها مدمرة، وملابسي كلها محترقة وممزقة بين الركام".
"أنفقت كل ما كنتُ أحمله من مال، لدرجة أنني حين نزحت من دير البلح، لم يكن بحوزتي ما أدفعه للسائق، ووصلت إلى هنا لا أملك شيئًا".
تزيد السيدة بألم: "أنفقت كل ما كنتُ أحمله من مال، لدرجة أنني حين نزحت من دير البلح، لم يكن بحوزتي ما أدفعه للسائق، ووصلت إلى هنا لا أملك شيئًا. أزمة السيولة في البلد جعلت الكل في حالةِ عوز".
حين عاشت أم محمد في مخيمٍ للنازحين، أصبح نهارها مقسمًا بين ترتيب الخيمة التي وضعت فيها مساحةً صغيرة للجلوس يتوسطها طاولة، وأخرى للنوم وطهي الطعام للعائلة، وزاوية لجالونات المياه، وأغراض وأواني الطبخ.

(الصورة تعبيرية) من إحدى مخميات النزوح جنوبي قطاع غزة
وبينما كانت تكمل الحكاية، قطعت الحديث امرأة حضرت للشكوى من عدم تلقيّها طردًا غذائيًا أسوة بغيرها، ثم سرعان ما شجعّتها أم محمد على المطالبة بحقها، "فهذا ليس منّةً من أحد".
خيمة أم محمد مختلفة، لقد أصبحت وكأنها مزار لنساءٍ يردن الشكوى أو يطلبن النصيحة. "إنسانة اعتادت أن تكون قيادية، لن تكون إلا كذلك في النزوح أيضًا" تردف.
أكثر ما يؤلمها اليوم هو اضطرارها لانتظار الطرود الغذائية والصحية، وهو ما لم تتوقعه في حياتها. تختم: "هي حقّي كوني نازحة مثل غيري، لكن الأمر صعب جدًا على من اعتادت أن تعطي لا أن تأخذ".
























