غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"لن يمحو الزمان مهما طال صوتها من ذاكرتي. استيقظَت، بكت بحرقة، ثم غاب صوتها إلى الأبد"، بهذه الكلمات بدأت والدة الرضيعة ندى كباجة سرد حكاية ابنتها، التي لم تمُت بصاروخ، ولا شظية.. "ماتت خوفًا حبيبة قلبي" تتمتم وتبكي.
حدث ذلك في ليلة السادس والعشرين من آب/ أغسطس الماضي، عندما لم يتوقف قصف طائرات الاحتلال لحظة في مناطق وسط وجنوبي قطاع غزة، حتى اقترب الصوت من مخيم النصيرات وسط قطاع غزة، وكان الناس نيامًا لا يعلمون إذا ما كان سيطلع عليهم صبحٌ أم لا.
تخبرنا الأم: "فجأة قُصف بيتٌ قريب من بيت والد زوجي، حيث نزحنا بعد قصف بيتنا. كان الصوت عاليًا جدًا، واهتزت الأرض من تحتنا. استيقظ الجميع، وأفاقت ندى باكيةً تصرخ بشكلٍ غريب وترتجف. حاولتُ احتضانها لتهدئة روعها، لكن عبثًا كانت محاولاتي.. التقطت أنفاسها الأخيرة بين يدي جدّها، وارتحلت".
خرجت المرأة بعدما رأت ابنتها جثة هامدة، برفقة زوجها، إلى الشارع يصرخان ويستجديان المساعدة، حتى جاءها شابٌ معه سيارة، نقلهما برفقتها إلى مستشفى العودة، تضيف: "كل هذا، وأنا أقول إنها إغماءة بسيطة، أو مجرد فقدان للوعي بسبب الخوف".
في المستشفى، وخلال أقل من خمس دقائق، سمعت أم ندى صوت زوجها يصرخ، فعرفت أن لا مناص من التسليم للحقيقة المرة: "ندى رضيعة الحرب.. وشهيدة الرعب فيها".
تزيد: "كنتُ أعرف أن قلبها توقف منذ أن احتضنتها في البيت، لكن كان عندي أمل بأن يتم إنعاشها في المشفى. لآخر لحظة رفضت التصديق، لكن في النهاية أمر الله نفذ".
في الحادي والثلاثين من آب وُلدت ندى، دون أن تعرف أنها ستعيش وتموت أيضًا... في حرب.
كان عيد ميلاد ندى الأول على بُعد أيامٍ من تاريخ وفاتها. الحادي والثلاثين من آب، التاريخ الذي أطلت به على هذه الدنيا قبل عام، دون أن تعرف أنها ستعيش وتموت أيضًا... في حرب.
كانت ندى بالنسبة لوالدتها كل شيء. تخاف عليها حتى من نسمات الهواء، لكن الاحتلال حرمها منها لتعيش وجع الفقدان والحسرة عليها.

تؤكد الأم أنّها حاولت بقدر استطاعتها حماية ندى وأخويها من جنون حرب الإبادة، التي اندلعت في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، لكنها "وجدت نفسها عاجزةً أمام ما كتبه الله لها". تحكي بحرقة: "كنتُ أنام بقربها طوال الليل، وحرصتُ ألا أتركها وحيدة. وكأنني كنتُ أحاول أن أشبع من ضمّها إلى قلبي قبل أن تفارقني للأبد".
"حرصتُ ألا أتركها وحيدة. وكأنني كنتُ أحاول أن أشبع من ضمّها إلى قلبي قبل أن تفارقني للأبد".
منزل أم ندى قُصف في أول أسبوعٍ من بدء الإبادة، فنزحَت مرارًا حتى وصل بها الحال إلى العيش في خيمةٍ بإحدى مخيمات النزوح في مدينة دير البلح، وسط القطاع. "حيث لا مقومات للحياة، لا مياه، ولا نظافة، وأمراض منتشرة"، وهو الأمر الذي دفعها للاستقرار أخيرًا في منزل والد زوجها في مخيم النصيرات... المكان الأخير الذي شهد آخر ضحكات ندى، وآخر صرخاتها.
تنادي السيدة بقهر: "يكفينا حروبًا ودمارًا. يكفينا وجعًا على أولادنا ومستقبلهم، يكفينا قهرًا على بيوتنا وشقاء أعمارنا"، في إشارةٍ إلى استشهاد أكثر من 16600 طفل منذ بدء الحرب على قطاع غزة، وفقًا لإحصائيات وزارة الصحة بغزة.
























