غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
وسط رماد الدمار وذكريات فقدان الأحبة، تنبض في خيمةٍ صغيرةٍ بمنطقة الزوايدة وسط قطاع غزة حياةٌ جديدة! أملٌ ينساب من بين أصوات الأطفال المتلعثمة في جلسات تحسين النطق والتواصل، التي تعقدها "آمنة الدحدوح".
بدأت آمنة، تستقطب الأطفال الذين يعانون مشكلات النطق، وتخضعهم لجلسات تدريب منتظمة، ضمن مبادرةٍ تعايشية أطلقت عليها اسم "صنّاع الأمل".
قبل إعلان دولة الاحتلال الإسرائيلية الحرب على قطاع غزة، في السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي، كانت آمنة أخصائية النطق ومشاكل الكلام، تدير مركزًا حديثًا مجهزًا بكافة الإمكانات يحمل نفس الاسم.
قبل إعلان الحرب على قطاع غزة، كانت آمنة أخصائية النطق ومشاكل الكلام، تدير مركزًا علاجيًا حديثًا مجهزًا بكافة الإمكانات يحمل اسم "صناع الأمل".
كان المقر حي تل الهوى بمدينة غزة، وكان يقصده كثير من الأطفال، ممن ساهمت آمنة في تحسين حياتهم، وتواصلهم مع الآخرين، ومع البيئة المحيطة، قبل أن تقلب الحرب حياتها رأسًا على عقب.
إحدى الغارات دمر ت مركزها بالكامل، وأخذت معها بيتها وعددًا من أفراد عائلتها، مما أجبرها على النزوح إلى جنوب وادي غزة، حيث أوامر الإخلاء الإسرائيلية كانت تزعم أنها "مناطق آمنة". نزحت وهي تحمل جروحًا عميقة من فقدان شقاء العمر والأحلام التي بنتها هناك، ونُسفت بغمضة عين.
رحلتها من شمال غزة إلى جنوبها بحثًا عن الأمان، كانت محفوفةً بالمخاطر والصعوبات، حيث وجدت نفسها غير قادرة على العمل أو تقديم المساعدة كما كانت تفعل سابقًا، "فالألم كان يفوق قدرتي على التجاوز بسهولة لولا أن صدفةً بسيطة غيّرت كل شيء" تقول لـ"نوى".
في إحدى الأيام، وبينما كانت تجلس قرب فرن الطين، لفت انتباهها فتاة صغيرة تُدعى فاطمة، كانت تُعاني من التلعثم، ويتنمر عليها أقرانها بشكل قاسٍ. تضيف: "أثرت المشاهد في قلبي، وأعادت إليّ الشعور بالمسؤولية والرغبة في مساعدة تلك الطفلة وغيرها من الأطفال بنفس الحالة، من خلال تقديم جلسات علاجية".

قررت آمنة الحديث مع عائلة الطفلة فاطمة لإقناعهم ببدء الجلسات العلاجية معها، وبعد موافقتهم، بدأت بتقديم جلسات علاج النطق لها في أوقات الفراغ، داخل خيمتها، وقد حققت نتائج إيجابية من الجلسة الأولى، مما شجع آمنة على تعميم الفكرة على جميع أهالي "مخيم الرشيد"، حيث تقيم.
هكذا ولدت فكرة مبادرة "صناع الأمل"، حيث توجهت آمنة إلى إدارة المخيم طلبًا للمساعدة في توفير مكانٍ لجلسات العلاج، وبرغم أنهم لم يتمكنوا من تخصيص خيمةٍ لهذا الغرض، إلا أنها لم تيأس، واستغلت خيمة إدارة المخيم خلال ساعات المساء، وبدأت عملها مع 40 طفلًا في البداية.
"فجأة، وجدت نفسي أسهم في علاج 100 طفل! ولا يزال غيرهم كثيرون ينتظرون الدور" تخبرنا بفخر.
الخيمة التي تُدار فيها المبادرة تضج بالأصوات الصغيرة والكلمات المتلعثمة، والكثير من الأمل للتحسن والتطوير. تجلس آمنة مع كل طفلٍ على حدة، تنظر في عينيه وتشجعه على نطق الكلمات، مستخدمةً أدواتٍ بسيطة، مثل قطعة خشبية، وخافض حرارة، ومرآة؛ لمساعدته على تحسين نطقه.
"نسبة 60% من الأطفال الذين خضعوا للجلسات يعانون من مشاكل في النطق، نتيجة الخوف والصدمات المتراكمة خلال فترة الحرب".
وتزيد: "نسبة 60% من الأطفال الذين خضعوا لجلساتي يعانون من مشاكل في النطق، نتيجة الخوف والصدمات المتراكمة خلال فترة الحرب"، مردفةً: معظمهم يعانون من مشاكل في النطق بسبب الخوف والصدمة من الحرب".
تصف آمنة الوضع بقولها: "عندما أجلس معهم، أشعر بأنني أُعيد بناء جزء من حياتهم التي سُلبت منهم، وأحاول أن أكون الشعلة والأمل الذي ينير طريقهم نحو حياة أفضل".
بابتسامةٍ ممزوجةٍ بالأمل تضيف: "رغم كل التحديات التي واجهتني في توفير مكان مناسب، وبدائية الأدوات المستخدمة في الجلسات في ظل عدم توفر معظمها وغلاء الأسعار، وعدم حصولي على أي تمويل للمبادرة بعد عرضها على عدة مؤسسات، إلا أنني أستمد القوة والطاقة الإيجابية من الابتسامة التي أراها على وجوه الأطفال، عندما يتجاوزون كلمةً كانوا يجدون صعوبةً في نطقها".
تنصح آمنة الأهالي الاهتمام بأطفالهم، وعدم تركهم عرضةً للتنمر نتيجة التعلثم والتأتأة ومشاكل النطق، والمباشرة في جلسات العلاج، حتى لا يتفاقم الوضع لديهم والوصول إلى مرحلة متأخرة يصعب علاجها فيما بعد.
تحلم آمنة بانتهاء الحرب قريبًا والعودة إلى غزة، حيث تنتظر اليوم الذي تستطيع فيه إعادة بناء بيتها ومركزها من جديد، وإكمال رسالتها. تقول: "الحرب أخذت منا الكثير، لكنني أؤمن أن بإمكاننا إعادة بناء كل شيء، مرة أخرى".
تواصل آمنة إشعال الأمل في نفوس الأطفال، وتعليمهم معاني الصمود والعطاء في زمن يحتاج فيه كل من يعيش الإبادة بصيص نور.
























