غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
يفتح الطفل سليمان أحمد، من مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة، عينيه، وأول ما يسأل عنه أمه: "خلصت الحرب؟". تبتسم له، وتنظر ناحية الزاوية التي يضع فيها حقيبته المدرسية، وأقلام الرسم والتلوين، وتبتلع غصتها وعجزها.
"أن يرتدي حقيبته، ويذهب إلى المدرسة، هذا هو أكبر أحلامه اليوم، وعلى بساطته لا يستطيع تحقيقه" تقول أمه. وتضيف: "تبدلت كل اهتماماته، ويفرح كثيرًا عندما يتمكن من تعبئة جالون المياه قبل والده، أو عندما يعود بهواتف العائلة كلها من نقطة الشحن ممتلئة".
حال أحمد، هو حال معظم أطفال قطاع غزة، الذين يعيشون حرب الإبادة التي تشنها دولة الاحتلال الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول الماضي. تغيّرت أحلامهم، واغتيلت طفولتهم في حر الخيام، وتحت وطأة النزوح، والجوع وانتشار الأمراض، والانقطاع عن العالم، مع تدمير شبكات الإنترنت والاتصالات والكهرباء.
يؤدي سليمان مهامه اليومية بتثاقل، "فالأمر أكبر مني بكثير" يقول ضاحكًا، ثم يعود إلى الخيمة، ويبدأ برسم بعض الصور عن ما جرى معه خلال يومه. "لوحة لي وأنا أبكي لأنني لا أمتلك ثمن الشيبس الذي أحبه، ولوحة أخرى لألعابي التي أحبها وتركتها في البيت وحدها خائفة، ولوحة لحقيبتي المدرسية التي صارت تحمل ملابسي بدلًا من كراريسي".
يضيف: "أحلم كل يوم بانتهاء الحرب، والعودة لحياتنا السابقة، لألعابي والطعام الذي أحبه. من حقي كطفل أن ألعب وأرسم وآكل دون خوف ودون حرب".
وعلى كرّاستها، رسمت ديما ياسر، مجموعة بنات، قالت إنهن صديقاتها في المدرسة، مجتمعات حول طاولة عليها كعكة ميلاد وشمعة، ثم بكت. تخبرنا: "كل أحلامي تناثرت في طرقات النزوح. وداخل هذه الخيمة المهترئة"، وتضيف: "مشتاقة جدًا لجو العائلة، وجمعات بنات الأعمام والأخوال، لولائم الجمعة، ولحضن جدتي. لأيام الهدوء، ولغرفتي، وألعابي، ودفتر مذكراتي، ومكتبي. مشتاقة لنفسي قبل هذا كله".
تزيد: "تألمتُ كثيرًا حين جاء عيد ميلادي في الحرب، كذلك عيد الفطر، والأضحى. كل مناسبات الفرح تغيرت علينا وجاءتنا شاحبة، محملة براحة البارود والدم"، ملفتةً إلى أنها كثيرًا ما ترسم أطباق حلوى مغمسة بالدم.
ترسم ديما للحرية، والسلام، وترسم أطفالًا يلعبون ويمارسون هواياتهم دون خوف أو حرمان. يأكلون طعامًا صحيًا، ويشربون مياهًا نظيفة، ويمشون في شوارع لا تعيقهم فيها مياه الصرف الصحي، ولا أطنان القمامة.
وتختصر لانا سليمان (11 سنة) عامًا كاملًا في الحرب برسم نفسها وعائلتها، في طريقٍ مليءٍ بالناس. وفوقهم طائرات تلقي بصواريخ كبيرة، وطفلٌ في الزاوية يبكي، تقول "إنه يبحث عن أمه".
تحكي لانا عن أحلامها على هيئة رسومات، سكاكر ملونة، ودوناتس، وشيبس، ودجاج مشوي بالفرن، وتفاح وموز ومانجو. ترسم حياةً بعيدةً عن لدغ البعوض وطنين الذباب، في حدائق جميلة، مزروعة بالعنب والزهور.
عمرو إبراهيم أيضًا، يرسم في كل لوحةٍ له بيتًا جميلًا، ملوّنًا، ونافورة مياه، وفراشات تحوم حول أطفالٍ يلعبون في البهو. وفي زاويةٍ أخرى يرسم خيمة وعليها إشارة خطأ، وكأنه يخبر نفسه أن ما يعيشه فيها ليس حياةً طبيعية، بل خارجٌ عن سياق الحياة الكريمة والطبيعية التي يعيشها أطفال العالم كله.

يرسم عمرو في كراسته، طفلًا يحمل الحطب، وجالون ماء ثقيل. يرسم أمًا تشعل النار وتطبخ لأطفالها، وخيمة مرقعة، ويرسم أكلًا نظيفًا يشتهيه. دجاجة، وكيس شيبس، وعبارة (من حقي أن أعيش مثل باقي أطفال العالم). يرسمُ كرةً، وعلمًا بأربعة ألوان، وقدس. يقول: "أحلم باليوم الذي تنتهي فيه الحرب. نحن لا نستحق ما يجري لنا، وأمامنا الحياة لم نرَ منها إلى الموت والدمار. إلى متى؟ هذا ما نسأله من خلال رسوماتنا التي لا يراها غيرنا".
























