شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م19:20 بتوقيت القدس

تحمل رسائل من يوميات الحرب..

غزة.. لوحات فنية على أغلفة طرود المساعدات!

27 يوليو 2024 - 14:37

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

عندما انقطعت غزة من كل شيء تحت نيران حرب "إسرائيل" المستعرة، وغدت رسائل الفنان التشكيلي أحمد مهنا حبيسة عقله، بعد انعدام الورق في مكتبات وأسواق القطاع، كان الحل في جعبة الحرب ذاتها، "أغلفة طرود المساعدات الغذائية".

يجمع الشاب طرود المساعدات الفارغة، ويحاول تفريغ ما يحمله في قلبه وعقله من مشاهد ومشاعر، على شكل لوحاتٍ مُتقنة، تحمل همّ شعبٍ بأكمله، وقضية وطنٍ يرزح تحت براثن الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود ونصف.

ونفذت الأوراق من قطاع غزة، بعد عشرة أشهر من الحرب التي أعلنتها دولة الاحتلال على قطاع غزة، وبدأت في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، حيث اشتكى كثيرون من هذه المشكلة، لا سيما في الوسط الطبي، والتعليمي الذي يحاول السير في خدمة المواطنين والنازحين رغم إصابته في مقتل.

يحكي الفنان أحمد القصة، فيقول: "قبل الحرب لم أكن أنتج وأرسم اللوحات كما فعلت بعدها، اليوم أصبح لدي تغذية بصرية نتجت بسبب المشاهدة اليومية لأحداث الحرب المتواصلة، سواءً تلك التي أراها عبر الشاشة، أو في مواقع التواصل الاجتماعي حين أتمكن من الوصول إلى إنترنت".

رسم أحمد، روتين النازحين اليومي كله. رسم معاناتهم وقهرهم في طوابير التكايا، وأمام شاحنات المياه الحلوة، التي يبدون غير متأكدين أصلًا من أنها جيدة وصالحة للشرب. رسم قهر النساء أمام الحطب، واحتراق وجوههن في الخيام، وذلك الحضن الكبير الذي يضم أطفالًا يبكون وقت قصف.

رسمهم في طابور الخبز، وفي المستشفيات، وفي الأسواق يبحثون عن طعامٍ يسد جوعهم. ورسم رغم هذا كله في عيونهم أملًا يشع من إيمانهم بأن فلسطين أرضهم، وأن كل ما يمرون به هو فداء للوطن.

في بداية الحرب، كان مهنا يملك القليل من أوراق A4 لكن طول أمد المعاناة، تسبب في نفاذها، قبل الحصول على كميةٍ أخرى. يزيد: "بحثتُ كثيرًا ولم أجد ما ينفع للرسم. فجأةً راودني الإلهام فأمسكت بطرد مساعدات غذائية كان في غرفتي، وبدأت بالرسم عليه.

منذ ذلك الحين، يقسم أحمد الصناديق الكرتونية إلى إطارات، ولوحات، ويبدأ العمل عليها على الفور، فيما حوله الكثيرون يتابعون جهده، وينتظرون المشهد النهائي للوحةٍ أخرى عظيمة.

يعقب: "الفكرة نفسها لها فلسفة فنية! الخامة التي رُسمت عليها اللوحات نفسها رسالة، والمحتوى رسالة أخرى، وأن تظهر لوحات تحت القصف هذه رسالة ثالثة"، مردفًا: "والواقع الذي يعيشه رسام هذه اللوحات أيضًا رسالة. أنا رب أسرة، ولدي روتين يومي مفروض علي كغزي، لتوفير أهم مقومات الحياة لأطفالي الصغار".

يجهز أحمد -وهو خريج كلية الفنون الجميلة بجامعة الأقصى بغزة- في كل صباحٍ أوراق الطرود، ويقصّها بشكلٍ مرتب، ثم يبدأ الرسم بقلم الفحم. كل اللوحات بعد الحرب تتحدث عن الوجع، على عكس ما كانت عليه سابقًا، حيث كانت معظمها تحكي عن الثقافة والفكر وتطوير الذات. "لكن في الحرب حتى نمط تفكيري تغير. كل هدفي الآن تجسيد المعاناة التي نعيشها، وإيصال صوت الناس لهذا العالم الصامت" يستدرك.

ويزيد: "رسائلي التي أود أن أوصلها للمجتمع، في ملخصها، تحكي عن كم الاضطهاد والقهر الذي نعيشه، وكيف انقلبت حياتنا رأسًا على عقب، فصرنا سكان خيام بعدما كنا نملك الكثير من الطموحات والأحلام. كل شيءٍ تلاشى فجأة، وصار همنا توفير لقمة العيش والماء فقط".

يصمت أحمد قليلًا، قبل أن يتابع بحرقة: "نريد للعالم أن يفهم أننا شعب لا نريد الحرب، شعبٌ يريد أن يعيش حياةً كريمة على جميع المستويات، الصحية والتعليمية والثقافية، شعبٌ يريد وطنًا ذو سيادة، وأرض حرة، يتنقل فيها كما باقي سكان العالم".

كاريكاتـــــير