شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الثلاثاء 28 ابريل 2026م19:52 بتوقيت القدس

لتلبية احتياجات أسرهم..

أطفالٌ نازحون.. "أحلام" على "بَسْطة"!

16 يوليو 2024 - 17:55

غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:

مع أول خيوط النهار يرافق الفتى ناهض نعيم شروق الشمس حاملًا بسطته الصغيرة المتواضعة، والقليل من المكسرات والعصائر، ويفرشها كما اعتاد منذ بضعة أسابيع قبالة البوابة الشرقية لمجمع ناصر الطبي في مدينة خان يونس جنوبي قطاع غزة.

في هذا المكان بات ناهض (18 عامًا) معروفًا بابتسامته المميزة وأسلوبه الجميل مع الزبائن والمارة، يمازح هذا، ويضحك مع ذاك، وقد اكتسب ود الجميع وحبهم، ويتغلب بذلك على نهار عمل شاق لا يكاد ينتهي حتى يبدأ نهار جديد.

لم يسبق لهذا الفتى النازح مع أسرته (13 فردًا) من بلدة بيت حانون أقصى شمال قطاع غزة، أن عمل في البيع والتجارة، "لكنها الحرب" كما يقول لـ "نوى"، التي قلبت حياة الغزيين رأسًا على عقب، وأجبرتهم على أنماط حياة غير معتادة من أجل توفير لقمة العيش.

"تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وبدلًا من شهادة التوجيهي، يمكن أن نأخذ شهادة إلى الجنة".

عندما اندلعت الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة عقب هجوم  السابع من أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، كان ناهض على مقاعد الدراسة في مدرسة حكومية ببلدته بيت حانون، ملتزمًا ومثابرًا من أجل الحصول على معدل كبير -بحسب وصفه- في الثانوية العامة (التوجيهي)؛ ليحقق حلمه وحلم أسرته بدراسة الطب البشري.

"تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، وبدلًا من شهادة التوجيهي، يمكن أن نأخذ شهادة إلى الجنة"، يضيف ناهض، الذي يبدو رغم روحه المرحة، متأثرًا بنزيف الدم المتدفق للشهر العاشر على التوالي، وقد خطف الموت أرواح الكثيرين من أفراد أسرته وأصدقائه وزملائه في المدرسة.

خاض ناهض وأسرته تجربة النزوح مرةً تلو المرة منذ مغادرتهم لمنزلهم مع الساعات الأولى لاندلاع الحرب الإسرائيلية، وتنقلوا من مكان إلى آخر، قبل النزوح الأخير من مدينة رفح على وقع عملية عسكرية إسرائيلية برية في السادس من مايو/أيار الماضي، حيث لجأوا إلى مدرسة مجاورة لمجمع ناصر الطبي.

يقول ناهض: "الحياة صعبة، والحرب طالت، وأسرتي كبيرة واحتياجاتها كثيرة، وكان لابد من العمل من أجل المساعدة في توفير المستلزمات الأساسية".

بابتسامته المعتادة تابع: "والله كان نفسي أطلع دكتور، والحرب خلتني بياع على بسطة"، لكن هذا الفتى سرعان ما تدارك نفسه وتحدث بكلمات تفوق عمره عن الصبر والإرادة، وقال: "إذا كتب الله لي الحياة والخروج حيًا من هذه الحرب فلن أتنازل عن حلمي، وسأعود للدراسة من جديد، وأصبح يومًا ما طبيبًا".

ويردف بحرقة: "بسبب الحرب أنا أبيع على بسطة، ولا أخجل من ذلك، وبالعكس أشعر بسعادة كبيرة عندما أعود إلى أسرتي آخر النهار بما تحتاجه".

صمت لوهلة قبل أن يكمل: "احنا عيلة كبيرة، ولدينا بيوتنا وأراضينا، بس الحرب دمرتنا وشردتنا، وجعلتنا نعيش على المساعدات".

وتدهورت الأوضاع المعيشية لأكثر من مليوني فلسطيني في قطاع غزة مع العملية العسكرية الإسرائيلية البرية في مدينة رفح، وإعادة احتلال معبر رفح البري مع مصر، والقيود المشددة التي تفرضها قوات الاحتلال على معبر كرم أبو سالم، المعبر التجاري الوحيد، ومنع إدخال المساعدات الإنسانية.

وبحسب المكتب الإعلامي الحكومي التابع لحكومة غزة، فإن شبح المجاعة يطلُّ من جديد، خاصةً في مناطق مدينة غزة وشمالي القطاع، جراء إغلاق المعابر ومنع الاحتلال إدخال مئات آلاف الأطنان من المساعدات المكدسة على الشاحنات في الجانب المصري من معبر رفح.

وأوضح ناهض أن أسرته لم تتلق أي معونة إغاثية تساعدها على الحياة الصعبة منذ نزوحها من مدينة رفح إلى مدينة خان يونس، وهو حال غالبية النازحين.

"لا نريد مساعدات، نريد العودة إلى بيت حانون وإحنا بنعمرها وبنعرف كيف نعيش".

يعلق على ذلك بقوله: "لا نريد مساعدات، نريد العودة إلى بيت حانون وإحنا بنعمرها وبنعرف كيف نعيش"، قالها بنبرة عكست قدرًا كبيرًا من التحدي والاعتداد بالنفس، وأضاف: "يريدون قتلنا بالصواريخ وبالتجويع، لكننا شعب يستحق الحياة، وسنعود من جديد لمنازلنا وأراضينا ولحياتنا وأحلامنا".

وحول مجمع ناصر وفي والشوارع المحيطة، اعتادت لمياء (15 عامًا) أن تجوب بجسدها النحيل وعينيها الخضراوين وبشرتها البيضاء التي اكتسبت حرقة من الشمس اللافحة، وهي تحمل بين يديها وعاءً بلاستيكيًا، وتنادي بعزم صوتها الطفلولي المرهق: "خبز بلدي.. خبز طازة".

بعد إلحاح شديد تحدثت لمياء لـ "نوى"، وقالت: "أعمل مع أخوتي وأخواتي في بيع الخبز والمياه والعصائر في مجمع ناصر وفي الشوارع، كي نستطيع العيش وتوفير الطعام".

وتعمل هذه الفتاة التي كانت في الصف التاسع بمدرسة حكومية بمدينة غزة عندما اندلعت الحرب، طوال ساعات النهار وتحت شمس حارقة، لكسب القليل من المال الذي يساعد أسرتها (9 أفراد) على توفير احتياجاتهم الأساسية، حيث تعد والدتها الخبز على فرن من الطين، فيما يشتري أخوتها العصائر ويعيدون بيعها مقابل ربح زهيد.

"لو خرجنا أحياء من هذه الحرب نفسي أدرس لغات عندما أكبر".

وأوت أسرة لمياء إلى مدرسة حكومية قريبة من مجمع ناصر بعد نزوحها من مدينة رفح، وبحزن بدا واضحًا على قسمات وجهها، والعرق يتصبب من جبينها. تقول الطفلة: "والله اتعبنا، وبدنا نرجع على بيوتنا ومدارسنا".

وعندما سألتها "نوى" عن أمانيها ومستقبلها قالت بقهر شديد: "لو خرجنا أحياء من هذه الحرب نفسي أدرس لغات عندما أكبر"، وتبرر هذه الأمنية بأنها تحب السفر ومخاطبة العالم والتعرف على ثقافات الشعوب، وتعريفهم بمعاناة الشعب الفلسطيني.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، صنّفت قطاع غزة قبل بضعة شهور بأنه أخطر مكان على الأطفال في العالم، ووضعه تحول من كارثي إلى شبه منهار.

وبحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، هناك نحو 1.05 مليون طفل دون سن الثامنة عشر، يسكنون في قطاع غزة قبل الحرب، يشكلون ما نسبته 47.1 بالمئة من سكان القطاع، منهم نحو 32 بالمئة دون سن الخامسة.

كاريكاتـــــير