رفح:
في خيمة شديدة الحرارة، تتكئي الشابة روزان طافش (21 عامًا) على وسادتها بعد أن أنهكها المرض وأقعدها عن المشي، تتابع مع والدتها أخبار تحويلتها الطبية إلى خارج قطاع غزة، للنجاة من موت يحدق بها في كل لحظة، لكن لا صحتها تتحسن ولا التحويلة تأتي.
بصوت خافت متقطع تقول روزان لنوى:" الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة ووضع النزوح في خيمة بوضع غير إنساني لا يناسب حالتي الصحية، والمرض الذي أنهكني موتان يطوقان حياتي".
روزان، هي شابة مصابة بمرض الثيلاسيميا، حيث يضطر مصابو هذا المرض إلى الحصول يوميًا على دواء اسمه الديسفيرال يعمل على تنفية دمهم من الحديد، بينما لم تحصل الشابة عليه منذ ستة شهور، إضافة إلى إصابتها بمرض الربو وهشاشة العظام وإعاقة حركية.

مع بداية الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نزحت روزان مع عائلتها من شرق حي الزيتون بمدينة غزة صوب منزل جدها بالحي نفسهن ثم سرعان ما نزحت إلى مركز إيواء في مدينة النصيرات وسط قطاع غزة، مع تزايد التهديدات الإسرائيلية لسكان شمال قطاع غزة.
تروي روزان ما جرى:"مركز الإيواء هو مدرسة، كنا في طابقها الثاني، وهذا عبء عليّ حيث أنني لم أتمكن من الحركة والمركز غير موائم لاحتياجاتي، ونتيجة لعدم وجو الأدوية معي تفاقم وضعي الصحي وأصبحت أعاني آلامًا شديدة في كل لحظة بسبب مرض هشاشة العظام، ونتيجة لعدم تمكني من الحركة والنزول إلى المرحاض اضطررت مكرهة لاستخدام البامبرز وأنا في هذا العمر مما سبب لي أذى نفسي كبير".
ما زاد وضعها الصحي سوءًا هو لجوء الناس في مركز الإيواء لإشعال النار من أجل طهي الطعام، وهو ما تسبب في معاناتها من الاختناق وضيق التنفس وآلام الصدر بشكل دائم، ولكن ليس أمام الناس بديل.
سرعان ما نزحت روزان مع عائلتها إلى مدينة رفح جنوب قطاع غزة، نتيجة الاجتياح الإسرائيلية لمناطق وسط قطاع غزة، حيث تعيش حاليًا في خيمة بمخيم للنازحين فوق تلة في تل السلطان غرب مدينة رفح.
عن هذه التجربة تقول:"أجلس في الخيمة طوال النهار بلا حركة، الجو حار جدً نهارًا، وبارد جدًا ليلًا، ما يسبب زيادة في آلامي عظامي، لا أنام الليل، وتحويلتي الطبية للخراج متعثرة".
تحتاج روزان إلى تغيير دم كل أسبوعين بسبب إصابتها بمرض الثيلاسيميا، وهو ما يعني ضرورة وجود متبرعين بشكل مستمر، ولكن هنا عجزت الشابة عن إيجاد متبرعين بشكل منتظم، وفوق ذلك فهي لا تستطيع السير كل هذه المسافة خاصة وأن الخروج من الخيمة يتطلب قطع مسافات طويلة فوق التلة المرتفعة.
تعقّب:"علاوة على ذلك لا أحصل على الغذاء المناسب، فنن نعتمد على الطعام الذي توفره التكية، وكله من المعلبات ما بين الفول والفاصولياء والبازيلاء والعدس، وهي أطعمة ممنوعة على مرضى الثيلاسيميا ولكن نحن لا نمتلك خيارًا".
تتكىء روزان على وسادتها مرة أخرى إذ أنهكها الكلام، تمسك هاتفتها المحمول وهي تقلب صور سابقة لها حين كانت تمارس رياضة كرة السلة على كرسي متحرك في جمعية لذوي الإعاقة، بينما تكمل والدتها أم أحمد:"لم تكن صحتها بهذا السوء قبل الحرب".
والدتها هي أم لأربعة أبناء يعاني اثنان منهم مرض الثلاسيميا، روزان وأحمد، يعاني أحمد من تبعات مرض الثيلاسيميا وانعدام العلاج، وحدوث انتفاخ في أحد فخديه، إلا أن تدهور القطاع الصحي في قطاع غزة بسبب الحرب حرمهم وجود أية فحوصات، حتى عندما يتم نقل الدم لروزان وأحمد إن عثروا على متبرع فلا يتم فحص الدم بل نقله مباشرة لهم على مسؤوليتهم الخاصة.
تقول أم أحمد:"في المخيم لا يوجد مواءمة لحالة ابنتي، المرحاض العام بعيد ولا تستطيع استخدامه تضطر لقضاء حاجتها هنا في الخيمة، الغذاء كله غير صحي ولا يناسب حالتها وهي أطعمة ممنوعة، وليس أمامنا خيارات سوى هذا الطعام لسد الجوع".
لم تحصل روزان على أدويتها أبدًا منذ ستة شهور، لكن ولدتها تمكنت من توفير بعض الفيتامينات مؤخرًا من خلال عيادة حكومية، إلا أن أولويتها إنقاذ حياة ابنتها من خلال تحويلة طبية.
تستذكر والدتها كيف كانت تعتني بأبنائها قبل الحرب: "زوجي عامل باليومية، ومع ذلك كنا نجتهد لتوفير الأطعمة التي تناسب حالتهم، المعلبات ممنوعة الكامل في بيتي، أستخدم الخضار الطازج والفاكهة الطازجة لهم لهذا كانت صحتهم أفضل، ولكن هنا تدهور كل شيء".

وتكمل :"روزان كان مستواها جيد في المدرسة وكانت تطمح لإكمال تعيلمها، ولكن حين وصلت الثانوية العامة تصادف مع عام أزمة كورونا، فرفضت أن تذهب للمدرسة فلست مستعدة لفقدانها إن أصابها الفيروس، وظلّت حتى الآن تتمنى مواصلة تعيلمها".
تومىء روزان برأسها موافقة وهي تبتسم، ثم تعود لاستعراض فيديو سابق لها وهي تمارس رياضة كرة السلة، حيث كان يحذوها الأمل أن تواصل هذا المسير علّها تشارك في بطولات خارج قطاع غزة، لكن اليوم هي تناشد الدنيا بأسرها إنقاذها من موت محقق ما زال يحدق بها في كل لحظة وعلاجها خارج القطاع.
























