شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 02 ابريل 2026م12:32 بتوقيت القدس

حياة الحرب وتغيير العادات

21 اكتوبر 2023 - 15:51

شبكة نوى، فلسطينيات: كتبت المحامية زينب الغنيمي

هذه الحرب الطاحنة التي نعيشها والتي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي بكل˜ ضراوة، خلقت واقعًا جديدًا في حياة الناس؛ استشهاد الكثير من العائلات رجالا ونساءً وأطفالا، والحصار المطبق، والحرمان من الكهرباء والماء والتنقّل، وفقدان السكن، والعوز والحاجة المادية.

 

وشأني شأنُ الجميع فإن هذه الحرب القذرة أجبرتني على تغيير عاداتي اليومية: في الصحو المبكر أولًا، لأنني طيلة الليل في حالة صحو لمتابعة الأخبار وأين سقطت تلك القذيفة أو هذا الصاروخ، وأصبحت أغفو عند ساعات الفجر رغم القصف الشديد وأصحو في الثامنة أو التاسعة صباحًا.

 

اعتدت ان أغتسل يوميًا كافتتاحٍ ليومي، أما الآن فإن المياه ورغم ملوحتها الشديدة حتى المرارة -لأنها مسحوبة من البئر- باتت ثروةً ثمينة، حتى إن الصابون لا ترغي جيدًا، ولكن بعد عدّة أيام شعرت أنني يجب أن أغتسل وأتحمّل ملوحة المياه، وأتحمّل تساقط شعري بسبب هذه الملوحة، وعلينا أن نشكر الله لأنّ لدينا بئر ماء يمكننا الاغتسال منه وأيضا غسيل الملابس واستخدامها في الاستعمالات الأخرى.

 

انتهزت فرصة هدوءٍ نسبي هذا الصباح، وقلت لصديقتي أنني سأقوم بالاستحمام سريعًا، صديقتي مقيمةٌ معي هي وعائلتها لأنها اضطرت للتهجير من منزلها، ولكن ما إن وضعتُ المياه الفاترة على جسدي بالكوب المعدني (الكيلة) لأنه لا مجال لاستخدام الدُش وإهدار المياه. اشتدّ القصف فسارعت للاستعجال كي انتهي من الاغتسال بسرعة، ولكن قدمي انزلقت وانكسرت رجل الكرسي البلاستيكي الذي كنت أجلس عليه. جاءت صديقتي مسرعةً لتطمئن، ساعدتني على الوقوف، شكرتها ممتنّة، نظرت إلى نفسي واستغربت كيف تقبّلت فكرة أن تدخل صديقتي إلى حمّامي وأنا بدون ثياب، وقلت في نفسي حسنًا إنها موجودةٌ وإلا لكان الأمر أصعب. تحسّست جسدي، المهم أن ساقي لم تنكسر لأن هذا سيكون كارثيًا في هذا الزمن العصيب.

 

كنت أيضًا في السابق أتناول وجبة الإفطار باكرًا، وكانت قرقعتي في المطبخ سببًا للجدال مع ابنتي فرح أثناء زيارتي لها، حيث كانت تُطالبني بتخفيف الضجيج الذي أحدثه لإعداد وجبة الفطور لأنها لا تحب الصحو من نومها على أي صوت، و لكن الآن أتناول الفطور دون اهتمام بتحضيره، زعتر وزيت وبعض الزيتون الموجود سابقًا، أو حبة من مقدوس الباذنجان، فطور سريع فقط لارتباطه بتناول الدواء.

 

بشكلٍ عام، كلّ عادات الأكل تغيرت، كنت أصنع خبزًا خاصًا بي لأحافظ على عدم السّمنة، اليوم لا مجال لذلك ونشعر أنا وصديقتي بأننا محظوظتان لأننا ما زلنا نحصل على الخبز، ومحظوظتان لأنّ هناك بائع خضار مرّ منذ أيّامٍ من أمام المنزل معه البطاطس والباذنجان والبصل والليمون، فاشترينا منه كمية كبيرة، دفعنا ثلاثة أضعاف ثمنها الأصلي، المهم أنها موجودة.

 

صديقتي تضحك وغصّةٌ في حلقها لأنها تريد أن تطهو دجاجًا أو لحمًا وأن تنوّع في الوجبات لصغارها ولكن لا يوجد، فتقول لي: "تمام، أصبحنا نباتيين مثلك". المهم، ما زال يوجد بعض الجُبن المعلّب لفطورهم وبعض البيض الذي يقتصدون في استخدامه خوفًا مما هو قادم.

 

سابقًا، كنّ صديقاتي تمازحنني في اللقاءات والاجتماعات عندما ترين أنني أحمل زجاجة الماء الخاصة بي، والتي كنت أعدّها خصيصًا من منقوع الزنجبيل والخيار والليمون والنعناع، ويقلن لي "ألم تغيري عادتك هذه منذ سنوات حتى الآن؟"، أقول لهنّ اليوم، لقد غيّرت الحرب هذه العادة، حيث لا يوجد نعناع طازج أو بقيّة المكونات، واعتدت أن أشرب المياه العادية، ولكن لا أعلم إن كانت مياه الشرب ستظلّ متوفرةً أم لا، وهل سنضطر للتوقف عن شرب المياه الحلوة بعد أن تنتهي كميّة المياه التي كنت اشتريتها سابقًا، والتي أخذتها من المكتب؟ لا أعلم حقًا.

 

أتأمّل الأمر وأنا أستمع لصراخ أبناء الجيران، منزلٌ به عددٌ من العائلات، سألت الحارس عمّا يجري، قال إنهم مختلفون على من يجب أن يجلب الخبز من المخبز القريب لأنهم خائفون بعد قصف العديد من المخابز. كما نشأت مشكلةٌ أخرى بينهم من أجل عدم توفر المياه. عاداتُ الناس تتغير ارتباطًا بحاجاتهم، صبرهم ينفذ وعصبيّتهم تزداد، ليس رغبةً في افتعال المشاكل، ولكن خوفًا من المجهول، ما يدفعهم للاختلاف والانجرار نحو الصراعات الصغيرة.

 

والسؤال الذي يطرح نفسه كيف استطاع الناس التكيف في الخيام داخل المدارس المخصّصة للإيواء، وكيف تغيرت عاداتهم وتنازلوا عن الكثير مما كانوا يفعلونه يوميًا، فقط طمعًا في البقاء على قيد الحياة، حيث يُصبح الاختلاط بين الغرباء ومن الجنسين، أمرًا طبيعيًا في ظلّ وجود أكثر من عائلة في غرفة مدرسيّةٍ واحدة، بعد أن كان الاختلاط من الممنوعات والمحظورات بسبب طبيعة مجتمعنا المحافظة. لم تعد الخصوصية موجودةً، خاصةً بالنسبة للنساء في ظلّ هذه الحرب المدمّرة للبشر والشجر والحجر دون رحمة. كلّ ما نرجوه هو أن تنتهي هذه الحرب ونكون جميعنا بخير.

كاريكاتـــــير