شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 28 مايو 2026م05:25 بتوقيت القدس

مايو الأسود

21 سبتمبر 2021 - 08:44

كنا ننتظر العيد ومراسمه بعد شهر صيام وعبادة وجائحة كورونا اللعينة التي اجتاحت قطاع غزة وحرمنا من أداء تفاصيل وشعائر شهر رمضان.

كنت أنا وعائلتي الصغيرة نتحضر لاستقبال عيد الفطر بفارغ الصبر كي نعيش أجواءه الجميلة، لكن انتظارنا لم يأتي كما كنا نتوقع؛ جاء الطائر الأسود ليحلق في سماء مدينتي الحزينة غزة التي انتصرت لحي الشيخ جراح وأهل القدس وكعادتها غزة تدفع الفاتورة وحدها، لا أحد معها، ولكنها هذه المرة كانت فاتورة باهظة الثمن.

بدأت طائرات الظلام تغير على قطاع غزة من شماله إلى جنوبه، لا فرق بين ليل ونهار، ودون مراعاة لأي من مبادىء حقوق الإنسان التي كفلتها الشرائع الدولية حتى في حال النزاع، الاحتلال الاسرائيلي اعتاد على ارتكاب أبشع الجرائم بحقنا نحن الفلسطينيين، لكن مايو ٢٠٢١ كانت ملامحه قاسية، فشوارع المدينة خالية والخوف في كل الأزقة أصوات الصواريخ والقصف وكأنها براكين وحمم تنتشر في كل الأرجاء.

كنت وبحكم عملي الصحفي أتابع الاخبار وأنقلها على مواقع إخبارية، أحاول طمأنة عائلتي انها غيمة سوداء عابرة طريق وستنتهي سريعًا، ولكن كنت أكذب علي نفسي فاستهداف الأبراج لم يكن عاديًا، أحلامٌ تهدم وقصص تحكى، كنت أشعر أنه لم يعد هناك مكان آمن، إلى أن جاءت ساعة الصفر.

 أسكن أنا في حي الصفطاوي شمال قطاع غزة،  في ليلة ١٩ من مايو تم تبليغ أهالي الحي بمغادرة الحي لأنه سيقصف ولكني لم أبالي أنا وزوجي لانه تكررت اكثر من مرة أنه سيتم استهداف مناطق وأبراج ولم تقصف، والأصعب من ذلك أنه لم يعد مكان آمن، كل الأماكن مهددة بالقصف، فقررنا أن ابقى أنا وزوجي وبناتي بالمنزل.

 اسكن في الطابق الرابع وعائلة زوجي في الطوابق السفلى. طلبوا منا النزول ولكن لم نقبل أيضا واجابتنا واحدة (نموت ببيتنا والي كاتبو ربنا بيصير) كانت ليلة طويلة جدا لم ينتهي الليل وكنا ننتظر لحظات الاستهداف فالهدوء سيد الموقف وغلب النعاس على بناتي وانا ايضا ولم تمر ساعة وكان الفجر قد اقترب عندها سمعت صوت سيارة وأناس ينادو بصوت خائف يرجف (انزل يا ابو فلان رح يقصفو الجامع) جامع خالد ابن الوليد لحظتها يصعب عليا وصفها بكلمات او عبارات فمشهد الموت والدمار وبناتي ومنزلي هو مايدور بخاطري.

حملت بناتي من أسرتهم وحملت حقيبتي الصغيرة وزوجي معنا لا أذكر سوا يلا (انزلو ما ضل وقت) نظرت لمنزلي هل من الممكن ان اعود له أم سيصبح رماد نزلنا وذهبنا لمنزل احد افراد عائلتنا في الشارع الخلفي وزوجي وووالده رفضو ترك المنزل فزداد المشهد بمخيلتي أكثر سوءا هل سأفقد زوجي أيضا، ماكانت الا دقائق وسمعنا القصف الذي كان بمثابة زلزال حقيقي وبعدها بربع ساعة جاء زوجي وقال (يلا نروح حمد الله عسلامتكم سألتو شو صار حكى بس دمار سألتو البيت حكى ماتخافي كل شي بخير عدت لمنزلي الصغير وشعرت بدفىء وامان حتى ولو كان لدقائق معدودة، عدوان مايو الاسود لم يترك أحد منا الا وحمل معه منها قصة حُفرت في الذاكرة لن تنسى.

كاريكاتـــــير