مع ساعات الفجر الأولى استيقظ علي طنينة، ودّعَ أطفاله وحمل قوته ثم ركب السيارة التي يُفترض أن تنقله إلى الحاجز الإسرائيلي قرب بلدة ترقوميا غرب الخليل، لتبدأ رحلته اليومية الشاقة في طريقٍ تتخللها المخاطر، نحو عمله في الداخل المحتل.
بعد رحلةٍ صعبة في طريقٍ غير آمنة، يصل طنينة إلى ورشته. وكما كل مرة يتمتم بصوتٍ مرهق: "لو سيّارة عمومي تودينا الصبح على الحاجز".
يحلم طنينة بخطٍ عمومي يصل به ومن معه بطريقةٍ قانونية، "وليس كحمولة زائدة"، يسير السائق فيه بسرعةٍ قانونية لا جنونية كما يحدث معهم يوميًا في طريقَي الذهاب والعودة.
وكما طنينة، يضطر آلاف العمال يوميًا إلى اللجوء لسيارات خاصة "غير مرخصة" للوصول إلى الحواجز الإسرائيلية، ويستقلّون هذه السيارات من محطات انتظار غير ثابتة بعيدًا عن أعين الشرطة الفلسطينية. حيث يمنع القانون الفلسطيني نقل السيارات الخاصة للركاب مقابل أجر مادي.
وفيات ولا تعويضات
ورصد هذا التحقيق حالة وفاة، وأكثر من 10 إصابات على طريق حاجز ترقوميا في عام 2020م، وحالتي وفاة على طريق حاجز الظاهرية (ميتار) خلال العام 2021م، نتيجة عدم وجود جهات تراقب سير المركبات الخاصة على الطرق الالتفافية.
فقدت زينه فطافطة شقيقها في حادث سير، أثناء توجهه إلى عمله في الداخل المحتل بواسطة مركبة خاصة
وفقدت زينه فطافطة، شقيقها الذي كان يعمل داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948م في حادث سير، أثناء توجهه إلى عمله بواسطة مركبة خاصة غير مخصصة للنقل العمومي.
تقول بأسى: "لو كان الخط الواصل بين ترقوميا والحاجز مراقب من قبل طواقم شرطة المرور، لأجبروا سائق المركبة على السير بسرعة قانونية، ولما فقدتُ شقيقي".
وتشير معطيات شرطة المرور إلى أن السرعة المميتة هي السبب الرئيس للحوادث على الطرق الواصلة بين الخليل وحاجزي ترقوميا والظاهرية، إذ يسير أصحاب المركبات الخاصة بسرعة جنونية طمعًا في الحصول على حمولة أخرى.
وتتمثل الخطورة بتجمع أعداد كبيرة من العمال صباحًا، إذ يريد الجميع الوصول في الموعد نفسه، وهذا يفتح باب التنافس والسباق بين سائقي المركبات، تبعًا لطنينة.
ويضيف: "ما يحدث يُعرضنا كركاب وعمال للخطر"، مشيرًا إلى أن عدم وجود خطوط نقل مرخصة ومركبات عمومية قانونية، يزيد المشقّة على آلاف العمال الفلسطينيين في هذه المنطقة".
وينبّه الناطق باسم النقابة العامة لعمال النقل، عبد الرحيم حوشية، إلى المخاطر المحتملة لركاب السيارات "البيضاء" غير المرخصة للنقل العمومي عند وقوع حادث سير، "إذ لا يعوض تأمينها الركاب، ولا يتحمل أعباء علاجهم".
حويشة: ضحايا حوادث السيارات "البيضاء" لا يعوضهم التأمين
وهذا ما يتخوف منه العمال، ففي حال وقوع حادث سير، سيتحمل العامل تكاليف العلاج الباهظة، ولن تُعوّض عائلته إذا فقد حياته.
في هذا الإطار يشير حوشية إلى أهمية وجود شرطة مرور فلسطينية تنظم سير المركبات بما يضمن وصول العمال للحواجز آمنين على حياتهم.
عمال بدون غطاء قانوني
ويذكر العامل إسماعيل شاهين من بلدة الظاهرية إصابته قبل ثلاث سنوات في حادث سير، حيث اصطدمت السيارة الخاصة التي يستقلها بمركبة تابعة لشرطة الاحتلال الإسرائيلي.
يومها تعرض شاهين لنزيف حادٍ في الرأس، ورفضت شرطة الاحتلال تقديم الإسعاف اللازم له، ثم استدعته لتقديم إفادته في مستوطنة "كريات أربع" شرق الخليل.
واعتقلت شرطة الاحتلال سائق المركبة وحولته إلى سجن "عوفر" غربي رام الله؛ للتحقيق ولمعرفة خلفية الحادث، خاصةً أن السيارة التي كان يستقلها غير قانونية "مشطوبة".
لم تتابع أية جهة فلسطينية ما جرى مع إسماعيل، وتحمّل بنفسه تكاليف العلاج خلال فترة تواجده في المستشفى لأكثر من 10 أيام.
يقول: "عدم توفر مركبات عمومية مرخصة وقانونية دفعه للجوء لسيارات غير قانونية، رغم ما يعانيه من أمراض إثر تعرضه لأزمات قلبية متكررة".
شاهين أصيب بحادث سير ولم يعوض وعاد ليستقل المركبات "المشطوبة"
كان شاهين يقدم روايته بعد توجهه من منزله في بلدة الظاهرية إلى حاجز (ميتار) عبر الطريق الالتفافية الوحيدة للوصول إلى عمله، مستقلًا سيارة خاصة برفقة أربعة عمال آخرين.
ويشير الناطق باسم نقابة العمال إلى أن الشرطة الفلسطينية لديها شكاوى ضد مركبات خاصة تنقل عمالًا فلسطينيين للحواجز الإسرائيلية، لكن "بعض سائقي هذه المركبات موظفين في أجهزة الأمن ويعترفون بذلك"، لهذا لا يوجد ملاحقة حقيقية لمحاربتها.
ويطالب حوشية برقابة من قبل وزارة النقل والمواصلات لملاحقة هذه المركبات وأصحابها، وتوفير خطوط عمومية مرخّصة لنقل العمال الفلسطينيين بطرق آمنة وقانونية ومنظمة، وتحديد عدد المركبات المطلوبة، وتوفير موقف وتسعيرة ثابتة ومناسبة.
خارج السيطرة الأمنية
وتنص المادة (8) من قانون المرور رقم (5) لسنة 2000م، على أنه يشترط لتسجيل أية سيارة، كمركبة عمومية أو حافلة عمومية، الحصول على رخصة بتسييرها لنقل الركاب بأجر.
ويؤكد مدير شرطة المرور بالخليل، العقيد ماهر الجيوسي، أن توفير البدائل لنقل العمال بمركبات قانونية، ليس من اختصاص الشرطة.
الجيوسي: المركبات تعمل في مناطق لا تخضع لسيطرتنا الأمنية
ويلفت الجيوسي إلى التزام شرطة المرور بتطبيق ما ورد في القانون الفلسطيني، مشددًا على قيامها بضبط المركبات الخاصة التي تقل عمالًا بأجر، وتحرير مخالفات بحقها وتسري عليها الإجراءات القانونية.
ويردف قائلًا: "كجهة تنفيذية لدينا تعليمات بمنع السيارات الخاصة من نقل المواطنين مقابل أجر، ونتابع يوميًا هذه المركبات ويتم تسجيل أرقامها، ولكن المركبات التي تنقل العمال وتعمل في المناطق التي لا تخضع لسيطرة السلطة الأمنية الفلسطينية، يتم متابعتها إذا وصلتنا شكاوى بخصوصها".
تفعيل خط عمومي مرخص
في المقابل يوضح رئيس نقابة السائقين في الخليل، توفيق دويك، أن حل هذه المشكلة يكمن في توفير خطوطٍ رسمية ومركبات عمومية مرخَّصة لنقل العمال من مراكز المدن إلى الحواجز بطرق قانونية ورسمية، "ولكن بعض الأطراف رفضت المقترح لأسباب سياسية".
دويك: طرحنا حلًا وبعض الأطراف رفضته لأسباب سياسية
وحسب الدويك، رفضت وزارة المواصلات ترخيص خط رسمي مخصص لنقل العمال إلى الحواجز خاصة إلى معبر ترقوميا، وجرى تسويف الموضوع بطلب مراسلات رسمية وإرسال وجهات نظر النقابة في موضوع خط النقل المخصص لنقل العمال، "حتى وصلنا لعدم الاستجابة من الحكومة في هذا الموضوع".
بدوره، شدد الناطق باسم وزارة النقل والمواصلات، موسى رحال، على منع نقل ركاب مقابل أجر، قائلًا: "المركبة التي يتم ضبطها ويُتخذ بحقها الإجراءات القانونية بعد تقييد مخالفة، وهنالك تعليمات واضحة بهذا الخصوص وتعمل بها طواقم الشرطة ودوريات السلامة على الطرق".
النقل والمواصلات: يوجد خط مرخص والمركبات العمومية غير ملزمة بهذا الدور
حسب رحّال، يوجد خط عمومي مرخص ينقل الركاب من مراكز المدن إلى البلدات التي تتواجد فيها حواجز إسرائيلية ينتقل من خلالها العمال، كالظاهرية وترقوميا، "ويمكن للمركبات العمومية أن توصلهم إلى المعابر، ولكنها لا تقوم بهذا الدور، وغير مجبره على القيام به".
وأضاف: "في حال نقص الخطوط، يتم التنسيق مع البلديات المحلّية لتوفيرها بالتنسيق مع لجنة السير والجهات المعنيّة، وننتظر رفع أي توصيات بخصوص ترخيصها".
الفطافطة: سياسة المُماطلة تعيق ترخيص 15 مركبة لنقل العمال
من جهةٍ أخرى، يؤكد رئيس بلدية ترقوميا، عبد المنعم فطافطة، أن بلدية ترقوميا رفعت مطالبة لوزارة النقل والمواصلات، لإنشاء ثلاثة خطوط عمومية جديدة في البلدة، ومن ضمنها خط مرخص ينقل العمال من ترقوميا إلى المعبر، وترخيص حوالي 15 مركبة عمومية لنقل العمال، وهي في انتظار الموافقة من قبل وزارة النقل والمواصلات.
وبالرغم من المطالبات بتفعيل خط عمومي مرخص واستصدار رخص لمركبات عمومية لنقل العمال، إلا أن سياسة المماطلة من الجهات الحكومية المسؤولة مستمرة، وسط وعود بحل المشكلة خلال أيام وانتظار موافقات من الجهات المعنية ليكون العامل الفلسطيني متمتعًا بأقل حقوقه القانونية "حرية الحركة بشكل قانوني وآمن".
























