غزة:
ما إن انسدلت ستائر ليل الثامن من أغسطس تغطي بحلكتها الدنيا، حتى أغمض الفتى عزات قويدر "16 عامًا" عيناه لآخر مرّة في حياته، ظلّ ميتًا للأبد؛ هكذا أراد قاتلوه!!
وفي التفاصيل: وصلت فجر التاسع من آب/ أغسطس الجاري، جثة الطفل قويدر إلى مستشفى القدس غرب مدينة غزة، وقد ازدحمت بآثار ضربٍ وتعذيب. هكذا تقول الصور التي انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتُقابل بموجةٍ من السخط الشعبي لا سيما وقد تردد أن "الجريمة ارتُكبت في إطار أسرته".
الناطق باسم الشرطة الفلسطينية العقيد أيمن البطنيجي، أعلن في تصريح صحفي مقتضب، أن الشرطة أنهت التحقيقات الأولية في حادثة الفتى قويدر، وهو من حي الزيتون بمدينة غزة.
وقال: إن الفتى توفي بعد تعرضه للضرب المبرح على يد عدد من أهله وأقاربه، وقد أُوقف عدد من المشتبه بهم، في حين تستكمل النيابة العامة إجراءات التحقيق.
ما سبق، أكّده الناطق باسم وزارة الداخلية الفلسطينية إياد البزم لـ "نوى"، موضحًا أن "الفتى قويدر، كان محتجزًا لدى مؤسسة الربيع على خلفية ارتكابه جرائم جنائية، وقد خرج بكفالة أحد أخواله يوم 8/8، وفقًا للإجراءات القانونية، ثم اتجه إلى منزل جدّه لأمه".
مدير دائرة الدفاع الاجتماعي في مؤسسة "الربيع" للأطفال لرعاية الأحداث معتز دغمش، أخبر "نوى"، أن الطفل جرى توقيفه في السابع من تموز/ يوليو الماضيـ على خلفية "سرقة" كابل كهرباء "وهذه جنحة"، لكن الطفل حين حضر إلى مؤسسة الربيع كان يتواصل مع أهله بشكل طبيعي، ولم تظهر عليه أي علامات عنف.
وقال: "هذه الجنحة هي الأولى للطفل الذي كان هادئًا خلال تواجده داخل المؤسسة، وبعد تواصل الجهات المعنية مع المشتكي تنازل عن شكواه، وكان على الأهل دفع كفالة لخروج الطفل فقط".
يتابع: "حصلنا على تعهّد من خاله بالحفاظ عليه، ومراعاته، لا سيما وأنه هو الذي كان يسعى للإفراج هنه طوال فترة وجوده هنا".
ظلّت الأمور عادية حتى تاريخ 13/7 إبان جلسة المحكمة، حيث كان يفترض أن يدفع الأهل صلحًا جزائيًا، وتم تمديد المدة حتى 2/8، بعد رفضهم الدفع، لأنهم حسب قولهم لا يملكون المال. وفي تاريخ 7/8 اتصل الطفل على أمه التي أحضرت له الملابس، ثم في اليوم الثاني تم تسلميه لخاله.
ويؤكد دغمش أنه كان من المقرر متابعة الطفل أثناء وجوده في بيت ذويه حسب ما هو معمول به في المؤسسة، لكن خبر مقتله مباشرةً، شكّل مفاجأة بالنسبة للعاملين في المؤسسة، "فالطفل ليس لديه سجل يحكي عن إمكانية تعرضه للعنف، ولم يظهر هذا في سلوك أهله، خاصة وأن هذه الجنحة هي الأولى للطفل".
ووفقًا لمصدرٍ مطّلع، فإن الفتى تعرّض للضرب الشديد باستخدام "الخرطوم" في بيت أخواله بمشاركة أبيه الذي رفض اصطحابه معه، وعند انتهاء "حفلة الضرب والتعذيب" طلبوا منه الذهاب إلى المرحاض لغسل وجهه، إلا أنه سقط مغشيًا عليه، وتوفي فورًا، فحملوه إلى المستشفى وتركوه هناك، وهربوا.
مركز "الميزان" لحقوق الإنسان بدوره أدان الجريمة، وقال: "وفقًا للمعلومات الميدانية، فقد وصلت جثة الفتى إلى مستشفى القدس في حي تل الهوا غرب مدينة غزة، عند حوالي الساعة 2:50 من فجر يوم الاثنين الموافق 9/8/2021م، وعند حوالى الساعة 6:00 من صباح اليوم نفسه، حولت جثة الطفل إلى مجمع الشفاء الطبي غرب المدينة، وكانت عليها آثار ضربٍ وكدمات وسحجات.
وفتحت الشرطة الفلسطينية تحقيقًا حول ظروف وأسباب الوفاة، وحولت الجثة إلى دائرة الطب الشرعي في مجمع الشفاء الطبي، إذ أفادت الأخيرة أن سبب الوفاه ناتج عن الصدمة العصبية والدموية، التي سببها استعمال أدوات صلبة خلال الاعتداء.
وعبّر "الميزان" عن أسفه الشديد لمقتل الطفل، موضحًا أنه بات ينظر بقلق كبير لاستمرار حالات الاعتداء على الأطفال والنساء، وتعرضهم للعنف الجسدي والنفسي، وغيره من أشكال العنف.
حادثة قتل الطفل قويدر في إطار العائلة، ليست الأولى، إنما سبقها في أواخر شباط/ فبراير من العام الجاري، مقتل طفل يدعى عمرو الملاحي (14 عامًا) على يد والده، إذ وصل جثمانه يوم 21 فبراير إلى مستشفى الشفاء والكدمات تنتشر في كافة أنحائه.
ووفق الرواية التي نشرها موقع "الترا فلسطين" حينها، فإن الطفل كان برفقة والده المعروف بعصبيته الشديدة لمساعدته في مهنته حيث يعمل دهانًا، وقبل أن يغادرا البيت في الصباح الباكر، نسي الطفل سترته في الطابق العلوي، فلما عاد ليأخذها، ما كان من والده إلا أن تبِعه إلى الأعلى وانهال عليه ضربًا حتى الموت. العقيد البطنيجي قال حينها: الفتى توفي نتيجة الصدمة.
وفي تشرين أول/ أكتوبر الماضي، قُتلت الطفلة آمال الجمّالي (10 سنوات) من مدنية غزة على يد والدها الذي انهال عليها ضربًا حتى الموت، حين طلبت مشاهدة أمها المنفصلة عنه منذ سنوات.
حوادث العنف هذه، تعيدنا مرةً أخرى للحديث عن العنف المُرتكب ضد الأطفال في نطاق العائلة، الذي ترفض العائلات الإفصاح عنه، وتقاتل المُؤسسات لإقرار قانون حماية الأسرة من العنف من أجل رفع الغطاء عن مرتكبي الجرائم بحق أفراد عائلاتهم.
في تقرير مسح العنف الصادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني نهاية عام 2019م، أظهرت النسبة أن 68% من الأطفال الذكور في فلسطين، تعرّضوا للعنف الجسدي من قبل الشخص المكلف بحمايتهم، مقابل 61% من الإناث، بينما بلغت نسبة من تعرّضوا للعنف الجسدي الحاد 26% للذكور، و 18% للإناث.
تهاني قاسم، منسقة مركز "حياة"، لحماية المرأة من العنف، أكدت تنامي ظاهرة العنف الأسري ضد الأطفال، وقالت لـ"نوى": "نحن نلمس ذلك من خلال الحالات التي تلجأ إلينا من نساء يطلبن الحماية لأطفالهن"، مؤكدةً أن هناك حالات حتمًا لا تستطيع المؤسسات الوصول إليها، "لكن الشواهد كبيرة على العنف الذي يتعرض له الأطفال، فكثيرًا ما تطلب النساء توفير الحماية النفسية لأطفالهن، نتيجة تعرضهم للعنف في إطار العائلة".
وضع قطاع غزة "استثنائي" ويحتاج لقوانين وتدخلات تشكّل حمايةً لأفراده، ما بين حروب، وحصار، وأزمة كورونا، الأُسر تدفع الثمن تضيف قاسم، وتكمل: "كل ما يجري يلقي بظلاله على واقع الأطفال. هذا انتهاك لقانون الطفل الفلسطيني، وطالما أن الإجراءات المتخذة ضد الفاعلين لا تُعلن فهي ليست رادعة".
وتجزم قاسم أننا (الفلسطينيون) بتنا بحاجةٍ ماسّة إلى توفير بيت أمان –غير الإصلاحية- لحماية الأطفال الذين تهدد عائلاتهم حياتهم، "فكثيرًا ما اضطر مركز حياة إلى استضافة فتيات دون سن 18، رغم أنه أساسًا خصص لمن هن فوق هذا السن، ذلك نظرًا لغياب مؤسسة ترعى من هن أصغر، بالتالي غيّر المركز نظامه ليساعد أكبر عدد ممكن من الفتيات".
الأمر الأكثر إلحاحًا أيضًا- حسب قاسم- هو ضرورة الإسراع في إقرار قانون حماية الأسرة الفلسطينية من العنف، فهو يوفر ضمن بنوده الحماية لكل أفراد الأسرة. "عدة مرّات وُعدنا بإقراره، ولا أدري لماذا لا يحدث ذلك؟ الكثير من القوانين تم تشريعها خلال سنوات الانقسام، لماذا توقفوا عند قانون حماية الأسرة؟!" تتساءل.
























