غزة/ شبكة نوى- فلسطينيات:
"هناك حكايات لم تنتهِ أريد أن أسردها لأمي، ضحكاتٌ وافقة على باب القلب كانت تريد أن تصل مسامعها لتخبرها أنني –ورغم سنين البعد- بخير، لكن الموتَ كان أسبق". هكذا بدأ الأسير المحرر يحيى اصليّح كلامه بعد 12 عامًا قضاها داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي، ليروي حكاية "أغسطس الحزين".
يقول اصليّح: "شهر أغسطس يخنقني، ألمه صعب وفرحته منقوصة، ففيه اعتقلني جنود الاحتلال، وفيه توفيت أمي، وفيه أيضًا تحررتُ من ظلم السجان".
اصليّح: "شهر أغسطس يخنقني، ألمه صعب وفرحته منقوصة، ففيه اعتقلني جنود الاحتلال، وفيه توفيت أمي، وفيه أيضًا تحررتُ من ظلم السجان".
واصليح (36 عامًا) من سكان مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، اعتقل في 24 من آب/ أغسطس لعام 2008م، بتهمة المشاركة في أعمال للمقاومة الفلسطينية، ومُنع كعشرات الأسرى الفلسطينيين في قطاع غزة، ولسنوات من الزيارة "لدواعٍ أمنية" تبعًا لتوصيف سلطات الاحتلال الذي تسوقه "عالميًا" لمعاقبة الأسير نفسيًّا، بحرمانه وعزله عن المحيط الاجتماعي.
وفي مايو 2012م، خاض الأسرى معركة الأمعاء الخاوية رفضًا لسياسة المنع الأمني التي مارسها الاحتلال ضد الأسرى لأربع سنوات، "وقد حققنا مطالبنا المشروعة في القانون الدولي برؤية أهلنا بعد 29 يومًا من الإضراب، فكانت الزيارة للقرابة الأولى لي بعد أربع سنوات ونصف من البعد والفراق" يقول لـ "نوى".
يضيف اصليّح: "في صباح يوم الاثنين، السادس من أغسطس من نفس العام، وهو اليوم الذي قرره الاحتلال لالتقائي بأمي، استيقظتُ باكرًا كما في يوم العيد، وبدأت بتجهيز أموري منذ الساعة السابعة صباحًا، فحلقتُ شعري وذقني، وقمت بِكي ملابس السجن، ثم أخذت حمامًا وأصبحت عريسًا كما تحب أن تناديني أمي، اشتريت الشوكولاتة من مقصف السجن، وجمعت المطرزات التي حِكتها خلال فترة سجني لأريها لها، وأخبرها أنني هنا صامد تمامًا".
يذكر اصليح أنه كان يومًا رمضانيًّا حارًا، جاء موعد وصول الأهالي للزيارات، كانت هناك حركة غير طبيعة في القسم، الضحكات كانت تملأ وجوه الأسرى، "كلهم استعدوا للقاء الأحبة، لكن القدر أبى إلا أن يكتب حكايتي في ذلك اليوم بشكلٍ مختلف" يعقب.
"قبل خروجي إلى الزيارة، استجمع الأسير علاء أبو جزر -وهو ابن عم أمي- قواه، وقرر أن يخبرني بأمر، كانت الدموع تنهمر على خديه غزيرة، وكنتُ أنا مستعجل، أمي في الطريق".
يتابع حديثه فيقول: "قبل خروجي إلى الزيارة، استجمع الأسير علاء أبو جزر -وهو ابن عم أمي- قواه، وقرر أن يخبرني بأمر، كانت الدموع تنهمر على خديه غزيرة، وكنتُ أنا مستعجل، أمي في الطريق"، مردفًا: "استوقفني، وقالها بصوتٍ مرتجف: البقية في حياتك".
"توقفتُ فجأة عن الحياة "حرفيًا" في من يعزّيني علاء؟" تساءل اصليّح حينها، ليباغته قريبه بالخبر: "توفيت أمك وهي في طريقها إلى زيارتك".
يصف الأسير المحرر الموقف لحظتها فيقول: "لم أنطق بكلمة، ستارة سوداء غطت عيوني، ولم استطع الرد نهائيًّا، مرت أيام، وجميع الأسرى يقدمون واجب العزاء، لكن قلبي وروحي كانا في بيت عزاء مفتوح، ووجه أمي الذي لم ألمسه ولو لمرةٍ أخيرة لا يفارقني، والغضب يتملك صدري على كل ما هو إسرائيلي هنا".
"يا بنتي أنا بدي أنام شوية لحين نوصل غزة، أول ما نوصل عند الصليب صحيني"، وحينما وصل الباص تجمعت النسوة لإيقاظها، لكنها لم تستيقظ".
في ذلك اليوم الحزين ركبت أم يحيى الباص من خان يونس وهي صائمة، وكان بجوارها أمٌ لأسير آخر، قالت لها: "يا بنتي أنا بدي أنام شوية لحين نوصل غزة، أول ما نوصل عند الصليب صحيني"، وحينما وصل الباص فعلًا تجمعت النسوة لإيقاظها، لكنها لم تستيقظ "لقد توفيت في الباص نفسه الذي كان من المفترض أن يقل الأهالي إلى حاجز بيت حانون "إيريز".
يقول اصليح: "مرت سنوات السجن منذ ذلك اليوم على قلبي ثقيلة، كنتُ أترقب لحظة الحرية بفارغ الصبر، كنتُ أحدث نفسي: من سيركض باتجاهي يوم الحرية ويحضنني كأمي؟ لن أراها وهي ترتدي الثوب الفلسطيني حاملةً الكوفية، وعيونها مليئة بالفرحة، وأمهات الأسرى حولها يزغردون".
فرحة لم تكتمل
قبل يوم من استنشاق الهواء "حرًا" بغزة، عاش يحيى أصعب أيام السجن خشية أن يباغته الاحتلال بتحويله إلى الاعتقال الإداري، إذ سبق أنه فعلها مع الكثير من الأسرى وكسَرَ فرحتهم بذلك. يقول: "انقضى هذا اليوم ببطء، خرجت من سجن ريمون، وشعرت كأنني وُلدت من جديد، رغم الحزن الذي كان يملأ قلبي على فراق أمي، كانت أمنيتي أن أعانقها وارتمي في حضنها فقط".
يتنهد اصليح بمرارةٍ عبر الهاتف ويضيف: "أردتُ أن أذهب إلى قبر أمي وأبي، ولكن الحجر الصحي بسبب انتشار فايروس "كورونا" يمنعني مؤقتًا، أريد أن أقُص عليهم معاناة 12 عامًا من البعد عنهما، كانت سنوات مريرة".
يتابع: "ذكريات أمي ترافقني، تارة أضحك عليها وأخرى أبكي، وفي لحظة ما شعرت أنني سأفقد عقلي (...) كانت أمي تعشق الشاي وأنا كذلك، كنت قبل أن أصنعه أسألها إن كانت تريد شربه، فترد علي "مش قادرة يما"، فأتعمد ملاكشتها بصناعته برائحة الميرمية النفاذة التي لا تقاومها، فتعاود الطلب مني: "احسبني يما معاك، الله يرضى عليك احسبني".
كان الشاي لغةً مشتركة بين يحيى وبينها، حتى في سنوات السجن الأولى، حينما كان يحظى باتصالٍ قصيرٍ معها كانت ترحب به بقولها: "احسبني يما معاك" فيضحك هو من كل قلبه.
كان الشاي لغةً مشتركة بين يحيى وبينها، حتى في سنوات السجن الأولى، حينما كان يحظى باتصالٍ قصيرٍ معها كانت ترحب به بقولها: "احسبني يما معاك" فيضحك هو من كل قلبه، يضيف: "ذكريات جميلة ببساطتها وعفويتها لكنها باتت توجعني حد الاختناق".
يختم يحيي كلامه بالقول: "موت أمي سبب لي عقدة نفسية تلازمني منذ ذلك اليوم، وقد قررت مسبقًا أن أذهب إلى طبيبٍ نفسي بعد خروجي من الأسر، لعله يساعدني على تخطي الأمر"، يصمت قليلًا ثم يردف: "لكن هل يستطيع؟".
























