شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الخميس 28 مايو 2026م18:21 بتوقيت القدس

لضعفِ وعيهنَّ القانوني.. عاملاتٌ من غزة يهدِّدهن "التسريح"

01 نوفمبر 2019 - 16:24
صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

الغزالي: تدخل وزارة العمل لصالح العمال يقابله تهديد صاحب العمل بتسريحهم

أرباب العمل يتذرعون بعدم مقدرتهم على تغطية تكاليف العمال

خريجة جامعية تعمل بمتجر للملابس 10 ساعات يوميًا مقابل 500 شيقلًا فقط

الغنيمي: سيطرة أصحاب المنشآت على العمال سبب غياب الوعي القانوني

غزة:

لطالما أثار عمل المرأة العديد من التساؤلات بشأن حقوقها الوظيفية في ضوء ما كفله قانون العمل، فإلى أي درجة تنصف المؤسسات الأهلية والخاصة المرأة الفلسطينية العاملة في الوظائف التي تشغلها؟ وهل تتناسب الأجور مع طبيعة العمل والحد الأدنى الذي أقره القانون؟ وتأخذ حقها من إجازات الوضع والأمومة والأعياد الرسمية؟ ولماذا تخشى النساء من التظلم أمام الجهات القانونية لإنصاف أنفسهن؟ أهو الجهل بالقانون أم الخشية من فقدان الوظيفة؟ وكيف تمارس وزارة العمل الرقابة على المؤسسات ومدى التزامها بلوائح التشغيل؟ هل هي رقابة فعلية أم لا وجود حقيقي لها على أرض الواقع؟.. تساؤلات عديدة يحاول هذا التقرير الإجابة عنها بمعايشة قصص نساء وفتيات دفعتهن الحاجة إلى التنازل عن حقوقهن في سبيل تأمين لقمة العيش لعائلاتهن..

بحث عن العيش

اضطرت سلمى للنزول إلى السوق بحثًا عن عمل بعد أن قتل الفراغ وقتها، إذ لم تستطع استكمال تعليمها الجامعي بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة.

مواطنة: اضطررت للعمل في إحدى رياض الأطفال مقابل (100) شيقل شهريَّا

وتضيف الفتاة العشرينية التي تسكن مدينة غزة: "اضطررت للعمل في إحدى رياض الأطفال مقابل (100) شيقل شهريَّا، وبقيت على هذا الحال ثلاث سنوات إلى أن نشب بيني وبين المديرة مشكلة طردت على إثرها من العمل، وعندما عدت لطلب إفادة بأنني عملت مربية أطفال في تلك الروضة، رفضت المديرة منحها لي"، مشيرة إلى أن جهلها بالقانون أضاع حقها، ولم تشتكِ ظنًا أن القانون لن ينصفها.

ظروف عمل الخريجة الجامعية فاطمة (26 عامًا) ليست أفضل حالًا، إذ تعمل بأحد المحال التجارية الخاصة ببيع الملابس النسائية بغزة، وتمضي (10) ساعات من يومها بترتيب الملابس على رفوف خزائن المعرض، وكذلك في السِدّة (المخزن) حيث المكان معتم إلا من إضاءة خافتة.. كان العرق يتصبب من جبينها بينما تلتف البضائع من حولها، سألتها معدة التحقيق ما إذا كانت تعرف شيئًا عن حقوقها التي يكفلها لها قانون العمل؟ أجابت بعد أن رفعت حاجبيها باستغراب: وهل لنا حقوق؟!

وتتابع فاطمة حديثها: "يبدأ عملي مع الساعة التاسعة صباحًا وينتهي في السابعة مساءً، ناهيك عن أيام المواسم كالأعياد والمدارس والجامعات، ولم أحصل منذ خمس سنوات على يوم إجازة إلا في حال المرض شرط أن يخصم أجر هذا اليوم من الراتب الذي لا يتجاوز الخمسمئة شيقل شهريًا، أي أحصل على أقل من شيقلين للساعة الواحدة".

فاطمة: يبدأ عملي مع الساعة التاسعة صباحًا وينتهي في السابعة مساءً

وتبلغ نسبة مشاركة النساء في القوى العاملة الفلسطينية (21%) من مجمل النساء في سن العمل، وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني للعام 2018، مع وجود فجوة واضحة في معدل الأجر اليومي بين النساء والرجال إذ بلغ معدل الأجر اليومي للنساء (92) شيقل مقابل (129) شيقل للرجال.

غياب الوعي أم هاجس الخوف

في هذا الإطار توضح مديرة مركز الاستشارات القانونية زينب الغنيمي، أن ارتفاع معدلات الفقر والعوز والبطالة في قطاع غزة هو السبب الرئيسي لضياع حقوق العاملات، كما أن غياب الوعي بحقوقهن قانونيَّا أوجد لأصحاب المنشآت نوعًا من الهيمنة على العمال بشكل عام والعاملات خصيصًا.

الغنيمي:  ارتفاع معدلات الفقر والعوز والبطالة في قطاع غزة هو السبب الرئيسي لضياع حقوق العاملات

وتعاقب المادتين (131، 132) من قانون العمل الفلسطيني صاحب العمل بدفع غرامة مالية في حال أخل أو خالف أي من حقوق العمال الواردة في أحكام القانون، وفقًا للغنيمي، مشيرة إلى أن الغرامة المالية تتراوح بين (50) و(300) دينارًا، وتتعدد العقوبات بتعدد المخالفات وتتضاعف في حالة التكرار، كما تتعدد بتعدد العمال الذين وقعت في شأنهم المخالفة، مع إلزام صاحب العمل بدفع فرق الأجر للعامل.

ومضت تقول: "من حق أي عامل المطالبة بإلزام صاحب العمل بهذه الشروط على أن يتم إثبات هذه المطالبة خطيَّا، وفي حال الاستقالة لذات المخالفات فإن الاستقالة تُعد مبررة ويحتفظ العامل بحقوقه كافة كاملة مع مكافأة نهاية الخدمة وغيرها من الحقوق".

ولا يرتبط الأمر دومًا بجهل العاملين بالنص القانوني، فالصحفية "هدية" عملت بإحدى الوكالات الإخبارية المحلية، ورغم وعيها بقانون العمل الفلسطيني إلا أنها لم تثق بقدرته على حمايها، إذ اضطرت لأن تدفع راتبها لموظف بديل لتتمكن من الحصول على إجازة الأمومة.

الصحفية هدية: اضطررت لإخفاء حملي حتى لا تتذرع الإدارة بأنني لا أؤدي عملي بشكل جيد

وتقول هدية: "عندما أنجبت طفلي قال لي المدير في غزة، إن عليّ الدوام أو الدفع لموظف بديل يحل مكاني، فوافقت خشية أن أفقد عملي، وفي مرة ثانية اضطررت لإخفاء حملي حتى لا تتذرع الإدارة بأنني لا أؤدي عملي بشكل جيد".

وتحظر الفقرة (2) من المادة (103) في قانون العمل فصل النساء بسبب إجازة الوضع إلا إذا ثبت أنها اشتغلت بعمل آخر خلال تلك الإجازة.

بينما تذكر الصحفية ماجدة التي تعمل بإحدى الإذاعات المحلية منذ أكثر من عشرة أعوام أنها لم تتلقَّ أي علاوةٍ أو ترقية "بسبب النوع الاجتماعي"، "فكل العاملين من الذكور تمت ترقيتهم، رغم أنني حاصلة على درجة الماجستير في الصحافة، أي تخصص على صلة وثيقة بطبيعة العمل" تزيد.

وتشير إلى أن إجازة الأمومة مدفوعة الأجر التي حصلت عليها حُددت بأربعين يومًا فقط، وعلى الرغم من أن الفقرة (1) من المادة (103) كفلت للمرأة التي أمضت في العمل قبل كل ولادة مدة (180) يومًا الحق في إجازة وضع لمدة عشرة أسابيع مدفوعة الأجر منها ستة أسابيع على الأقل بعد الولادة.

قانون لا ينصف الجميع

وتؤكد الغنيمي أن قانون العمل كفل للعامل حقه "ولكن جهل العمال بالقانون هو ما يؤدي لأكل حقوقهم"، منبهة إلى أن أحكام القانون تنطبق على القطاع الخاص "الربحي"، فهو يفند حقوق العاملين من إجازات ومكافأة نهاية الخدمة والعلاوات السنوية وساعات العمل والأجور.

وتُفرق الناشطة الحقوقية بين المؤسسات الربحية، والأهلية التي لم تعالج أحكام القانون طبيعة عملها وعلاقتها بموظفيها، كذلك قانون الجمعيات الذي لم يعالج حقوق العاملين.

وقد حدد القانون الحد الأدنى للأجور بـ(1450) شيقلًا شهريًا غزة، "وهو حد موازي لخط الفقر، ويكاد لا يطبق على أي من العاملات، فمثلًا العاملات في رياض الأطفال لا يتلقين ربع الحد الأدنى من الأجور".

وهو ما أقرت به "أم محمد" التي دفعتها تراجع الأوضاع الاقتصادية للعمل من الساعة السادسة والنصف صباحًا وحتى الثالثة والنصف مساءً، كحاضنة في إحدى رياض الأطفال، وبأجر زهيد لا يتجاوز (350) شيقلًا.

وترفض "أم محمد" إدراج اسمها ضمن العاملين في المؤسسة خوفًا من قطع المعونات التي تتلقاها الأسرة المكونة من (10) أفراد، كما حدث مع صديقةٍ لها فقدت المعونات الطارئة والدائمة والتأمين الصحي المجاني، "تأمين انتفاضة الأقصى" أو ما يُعرف بتأمين العمال، بمجرد عملها في إحدى المدارس الخاصة.

وترى الغنيمي أن انتهاك حقوق العاملات يأتي بسبب عدد الخريجين الكبير مقابل محدودية المؤسسات وندرة الفرص، فرياض الأطفال مثلًا أكثر الأماكن تضييعًا لحقوقهن، "ويعود ذلك لاتجاه معظم الفتيات تقليديًّا ولظروف اجتماعية لتخصصات التربية والتعليم الأساسي".

وقد أكد ما ذهبت إليه الغنيمي، طبيعة العقود التي تبرمها بعض رياض الأطفال مع المربيات بما يفقدهن العديد من حقوقهن، ولا تسمح لهن بالمطالبة بها، إذ تُقر مديرة جمعية "بهجة" تسنيم ماضي بأن روضة "براعم حمد" التابعة للجمعية، تتعاقد مع المربيات كل تسعة شهور، كما لا تحسِبُ الإجازات التي تعد من حق المربية ضمن الراتب، لافتةً إلى أن إجازة الوضع مدفوعة الراتب لأسبوعين فقط، أما بالنسبة لمكافأة نهاية الخدمة فهي من حق أربع عاملات يعملن بعقود دائمة.

وتشير بيانات الإحصاء الفلسطيني إلى أن نسبة القوى في قطاع غزة تبلغ (47%) يشغل الذكور (68%) منها، مقابل (26%) للإناث فقط، مما يدلل على صعوبة حصول النساء على العمل، فيما بلغت نسبة البطالة بين الإناث المشاركات في القوى العاملة في قطاع غزة (74.5%).

تجاوزات لا يضبطها القانون

إن تعدي بعض أرباب العمل على حقوق العاملات قد يتجاوز عدم الشعور بالأمان الوظيفي إلى الخشية على الحياة بتعرض بعض العاملات للتحرش، وهو ما حدث مع "ألفت" التي تحمل شهادةً جامعيةً بأحد المجالات الطبية، وحظيت بفرصة عمل تناسب تخصصها.

تقول الشابة الثلاثينية: "في البداية كان صاحب العمل يطري على حسن أدائي، ثم بدأت ألاحظ نظرات مريبة منه، حاولت التجاهل ولكن لاحقًا تطور الأمر إلى مضايقات بكلمات ذات إيحاء الجنسي ثم محاولة الاعتداء".

وتضيف :"تركت المكان إلى غير رجعة غير آبهة بأي حقوق، ووجود كاميرات توثق الحادثة لا يعني فضح مرتكب الاعتداء، فالتقدم بشكوى قانونية قد يقود إلى تداول القضية بين الناس وسيضر ذلك بسمعتي أكثر مما ينفع، لذا التزام الصمت هو الأفضل بمثل هذه الحالات".

في حين عايشت "هدى"، التي عملت لصالح شركة خاصة بنظام القطعة موقفًا مماثلًا حينما تحادثت مع مدير العمل عبر تطبيق "واتساب" لأمور مهنية عليها إنجازها، "لكن الحديث أخذ مَنحًا مختلفًا، وحمل تلميحات خارجة عن النطاق المهني، تقول :"تظاهرت بالغباء وعدم فهم مقصده، لأفاجئ في صبيحة اليوم التالي باتصال من الشركة تعتذر مني وتخبرني بأن الوضع لا يسمح باستقطاب أي عامل جديد".

وتؤكد دراسة أعدتها الباحثة نائلة رازم، تحت عنوان "التحرش الجنسي في أماكن العمل كشكل من أشكال الفساد“ لصالح الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة "أمان" أن هذه الظاهرة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالفساد واستغلال المنصب والنفوذ بشكلٍ مخالف للقانون من قبل بعض المسؤولين وأرباب العمل، مستغلين ما يتمتعون به من سلطة ونفوذ، خصوصاً في حالات انعدام الرقابة وآليات المساءلة، وغياب البنية التشريعية والقانونية الرادعة.

وتبين المرشدة النفسية ولاء حسان، أن امتناع الفتيات والنساء الاشتكاء ضد المتحرشين يعود لحساسية الموضوع، وخوفهن من فقدان عملهن خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعاني منها قطاع غزة عمومًا حيث تقع مهمة إعالة مئات الأسر على النساء، وكذلك لاعتقاد الضحية بأن الجاني لن يأخذ جزائه في ظل القوانين الفضفاضة، وضعف إثبات واقعة التحرش.

رقابة ضعيفة

في حين توضح الغنيمي أن قانون العمل أغفل في مواده حماية العاملات من التحرش الجنسي، لكنها ترى في قانون العقوبات المقترح لعام 2010م، والذي خصص مادة بالتحرش "خطوة مهمة لإنصاف النساء".

وتعتقد مديرة مركز الاستشارات القانونية أنه ليس من السهل المطالبة بتحسين ظروف العاملات في أماكن عملهن، "سيما مع ضعف الرقابة الرسمية من طرف وزارة العمل التي ترى التجاوزات وتتساوق معها"، لافتة إلى أن المركز وعلى مدار 13 عامًا من عمله لم يستقبل سوى أربع حالات فردية، وحالات جماعية تم تسويتها.

لا مساءلة دون شكوى

وتنفي وزارة العمل غيابها عن رقابة المؤسسات، إذ تؤكد فاعليتها في هذا الجانب من خلال الزيارات الميدانية الدورية للوقوف على مدى التزام المؤسسات بقانون العمل والسلامة المهنية، وفق ما تؤكد رئيس قسم الدراسات في دائرة التوعية والارشاد في الوزارة سماح الغزالي.

الغزالي: وزارة العمل سجلت انتهاكات بحقوق العاملن والعاملات كالفصل التعسفي وتدنر الأجور وزيادة ساعات العمل

وسجلت الوزارة عبر الزيارات الميدانية الكثير من الانتهاكات بحقوق العاملين ذكورًا وإناثًا، كالفصل التعسفي، وتدني الأجور، وزيادة ساعات العمل، وانتهاك حقوق العمال في الإجازات، وغياب التأمين الصحي والفحص الدوري، وغيرها من التجاوزات القانونية، تبعًا للغزالي.

وتؤكد أن الوزارة لا يُمكنها التعامل مع غياب الحقوق إلا بشكاوى رسمية يقدمها المتضررون أو من خلال ما تكشف عنه السجلات الرسمية للمنشآت من تجاوزات "حينها تتخذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين والتي قد تصل لإغلاق المنشأة".

كما عزت سكوت العاملات عن حقوقهن وضياعها إلى الواقع الاقتصادي في قطاع غزة، الذي أجبر النساء على التزام الصمت سيما مع عدم وجود بدائل وندرة الفرص في سوق العمل.

وتلفت الغزالي إلى أن قلة من أرباب العمل تلتزم بحقوق العمال، فيما تتذرع الغالبية العظمى منهم بأن الوضع الاقتصادي هو السبب والعامل الرئيس "فإذا ما حاولنا التدخل فإن صاحب العمل يهدد بتسريح العمال بدعوى عدم مقدرته على تغطية التكاليف"، مبينة أن عمل الوزارة يتركز في ضوء ذلك على توعية وإرشاد أصحاب العمل والعمال".

الغزالي: قلة من أرباب العمل تلتزم بحقوق العمال

وأردفت بالقول: "الوزارة غير معنية بإيذاء أصحاب العمل أو العمال، وأمام أي قضية عمالية هدفنا الأساسي ديمومة واستقرار العلاقة بين الطرفين (..) أصحاب العمل ينظرون سلبيًا للحكومة رغم أن الوزارة مهتمة بحماية طرفي المصلحة"، معتقدة بوجود ارتفاع بوعي العمال بحقوقهم قانونيَّا، وتراجعٍ في هاجس الخوف من صاحب العمل، كما كان الحال قبل عدة سنوات".

كاريكاتـــــير