شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م00:59 بتوقيت القدس

هنا غزة.. يابسة تفيض على البحر هماً !!

12 يناير 2017 - 15:21
شبكة نوى، فلسطينيات:

كيف تجمدت الحياة هنا في هذا المكان الصغير؟ التاريخ عندما ينتقم يستل كل أدوات الذبح دفعة واحدة، الناس هنا فقدوا شهوة الكلام والشكوى ونحن فقدنا شهوة الكتابة، الرواية تستكمل ذاتها وتدور حول نفسها تعود الى نقطة صفرها باحثة عن ضوء يتبدد في نهاية نفق بات أطول من ليالي أمرؤ القيس، فلم تعد غزة هي غزة التي نعرفها.

لقد تغير هذا المكان الذي تلخصت فيه ذكريات جيلنا وأحلامهم في الحياة الكريمة وفي الحرية بعيداً عن سطوة أجهزة الأمن على كل شيء، وسطوة الساسة على مستقبل أبناءنا بلا رحمة، فلا الشوارع هي الشوارع ولا المآذن هي المآذن ولا الزمن فلسطيني بامتياز، انه خليط من كل شيء برائحة الحزن والمستقبل المجهول وسط هذا العبث المزمن، والزمن المعشب بالأشواك على صدر غزة.

ما من مرة أغادر فيها غزة الا ويشدني الحنين اليها وكأن الحبل السري بيني وبينها لم ينقطع، لكن في المرات الأخيرة أشعر فيها كطفل اعتاد الفطام لكثرة ما تجرع من مشاهد البؤس المنتشر في الشوارع والأزقة وعلى الأسطح، فلا المساءات عادت بصدى عرفاتي تشبه تسعينات القرن الماضي ولا الحياة التي أخذت غفوة طويلة مؤهلة للافاقة من جديد. هنا في غزة تزداد الحياة قسوة، هنا يابسة تفيض على البحر ألماً ودموع تلقي اليه بحكايات العائلات التي تبيت بلا عشاء ولا كهرباء، وشباب شيعوا آمالهم وبنات ينتظرن على رصيف العمر فمرت السنوات أمامهن بلا زواج، جيل تقطعت أمامه كل السبل وأحرقت كل المراكب على شواطيء بلا أندلس ولا طارق بن زياد ولا جياد، فقط حفلات حزن كانت عابرة ثم توطنت. هذا الأسبوع كان الناس يندفعون الى الشوارع كمن لدغتهم الأفعى، فلسعة البرد ليست أقل وطأة في هذا المكان الذي يعيش في صحراء اليتم العربية.

ما من مدينة دافعت عن نفسها بشراسة كغزة، هذا المكان الصغير الذي تحدى كل عوامل الفناء بمعجزة نادرة، وفي كل مرة كانت تضرب وتخرج من بين الركام على مهل أو على عجل رافعة رأسها وشارة نصر قبل أن تصاب بلعنة الأخوة الألداء الذين ذبحوها بدم بارد،. ما من مدينة قاتلت كل الكون منذ فجر التاريخ لتثبت جدارتها في الحياة كأنها في اختبار دائم، لكن حتى اللحظة لا أحد مقتنع أنها تستحق، تتعرض لمظلمة كبيرة من أعدائها ومن أبنائها وظلم ذوي القربى أشد مضاضة من كل السيوف التي مهرت جسدها على امتداد التاريخ العابر وهي لم تكل عن استقبال الغزاة، هذه المدينة التي لم يتوقف صهيل خيولهم على شواطئها باتت الآن فقيرة حزينة ذابلة.

هنا في غزة نظام حكم استسهل مغامرة السلطة فاستولى علينا دون حساب ودون أن يجري ما تتطلبه معادلة السياسة الصعبة، فهل كان يعرف أنه سيتم حصارنا وفعلها؟ تلك كارثة، أم كان يعتقد أن ضميرالعالم سيهتز بسببنا؟ تلك حسابات ساذجة لا تليق بالمشتغلين بالسياسة، فادارة الشعوب ليست لعبة كرة قدم للهواة لا يهم اِن سجلت الهدف أو زاغت نحو جمهور المتفرجين فالجمهور هنا من عواطف وجوع وآدمية تسحق بلا حساب أو بمغامرات راسبي درس الحساب.

عشر سنوات كانت كفيلة بأن تفقد غزة ملامح المدن ..عشر سنوات كانت كفيلة بان يجف البحر وتتحول الأسماك الى طائرات نفاثة ...عشر سنوات كانت كفيلة بعودة فراخ العنقاء من رمادها ..ولكنها عشر سنوات كانت كفيلة بأن يعود ياسر عرفات من قبره ليفرغ مسدسه في رأس كل القادة الذين بددوا الحلم الكبير ...أين ياسر عرفات ؟

[email protected]

*نبا برس

كاريكاتـــــير