انقلبت أوروبا وأمريكا عن الشعارات التي كانت تقدسها، مثل حرية الصحافة والمنافسة الحرة وحرية التجارة والعولمة، فبعد أن كانت تروج وتضغط من أجل انضمام كل دول العالم لاتفاقية التجارة الحرة «الجات» ها هي الإدارة الأمريكية الجديدة تري أن التجارة الحرة تضر بأكبر قلاع الرأسمالية، وأن السلع والمنتجات الصينية فازت بالسباق، ولهذا يجب الانسحاب من هذه الاتفاقية، التي كان قادة الدول الرأسمالية العظمي يرون أنها ستضمن سيطرتهم علي أسواق العالم.كما يجري هدر حق انتقال العمالة «دعه يعمل.. دعه يمر» والذي رفعت شعاره الثورة الفرنسية،عندما كان مفيدا للطبقة الرأسمالية في صراعها مع طبقة الإقطاع، التي كانت ترفض انتقال الفلاحين، وتعتبرهم ملكية خاصة، ولا تسمح لهم بترك العمل لدي الإقطاعي، بينما كانت الطبقة الرأسمالية في حاجة إلي تحويل الفلاحين إلي عمال في مصانعها، حتي نجحت في تحرير الفلاحين من عبودية الإقطاع، كما ظلت تشجع هجرة العمالة الماهرة من دول العالم الثالث إليها، لتسرق العقول الأكثر استنارة والأيادي الأكثر مهارة من مواطنها الأصلية لتستفيد بها، لكنها بدأت تضع القيود شيئا فشيئا علي انتقال العمالة والهجرة، حتي وصل الأمر إلي العداء للمهاجرين، وتنامي العنصرية ضدهم، بعد أن تراجعت معدلات التنمية وأصبحت عاجزة عن توفير فرص عمل كافية لمواطنيها.أما أقرب الأمثلة علي تدني حرية الصحافة، فقد كشفت عنه الانتخابات الأمريكية، عندما اتفقت معظم الصحف والقنوات علي الانحياز للمرشحة هيلاري كلينتون ضد دونالد ترامب، وأخذت تنشر فضائح ترامب، وتتحدث عن الفوز الكاسح لكلينتون، وساندتها مراكز استطلاعات الرأي، التي كانت تنشر إحصائيات بعيدة عن الواقع، تؤكد فوز كلينتون بفارق كبير.الرئيس الأمريكي أوباما اتهم روسيا بالتدخل في الانتخابات الأمريكية، وشككت الإدارة الأمريكية لأول مرة في نتائج انتخابات الرئاسة، بل تذهب إلي حد إعادة فرز أصوات عدد من الدوائر الانتخابية، ليتوقف ترامب عن فضح فساد إدارة أوباما، خصوصا ما يتعلق بكلامه عن دعم أوباما وكلينتون لتنظيم داعش الإرهابي. من كان يصدق أن البرلمان الأوروبي يمكن أن يصدر قرارا بإغلاق مكاتب القناة الفضائية الروسية «روسيا اليوم» ووكالة الأنباء الروسية «سبوتنيك» ويصفهما بأنهما «الأكثر خطورة» متعديا علي أكثر المبادئ قدسية في «العالم الحر» وصدر القرار الشهر الماضي بأغلبية 304 نواب، من بين 691 نائبا، واعتراض 179 نائبا، وامتناع الباقين عن التصويت، وانتقد ساسة وصحفيون هذا القرار، ووصفوه بأنه يتعارض مع المبادئ الأوروبية والقانون الدولي، لكن بريطانيا كانت قد سبقت القرار بتجميد حسابات قناة «روسيا اليوم» في بريطانيا دون إبداء أسباب.
كانت القناة الروسية تناولت الخطاب المزدوج لحكام أوروبا عن الإرهاب، وقالت إنهم يرفضونه علنا ويؤيدونه ويدعمونه سرا، ومع ذلك فهناك انزعاج لدي قادة أوروبا من صوت روسيا المختلف عما تروجه آلتهم الإعلامية الضخمة، لكن يبدو أن الكاذب لا يستطيع سماع مجرد همس شخص واحد يكشف كذبه، ولهذا جاء القرار الأوروبي صادما ومخيبا لآمال المتمسكين بحرية الإعلام.إن السياسة الأوروبية والأمريكية المتخبطة تجاه الإرهاب في المنطقة تتجلي في خطابها الإعلامي، فأوروبا التي تحمل مشعل الاستنارة تدعم الجماعات الإرهابية الظلامية والوحشية، ليس في سوريا فحسب، وإنما في ليبيا ومصر وغيرها من البلدان، فقد أصر حلف الناتو علي تشكيل مجلس رئاسي ليبي، يضم شخصيات من جماعة الإخوان والسلفيين، وتدعمه ميليشيات تكفيرية، وقرر الناتو تحويلها إلي جيش رسمي، يحمل اسم «البنيان المرصوص» وترفض الاعتراف بقرارات البرلمان الليبي المنتخب، رغم أنه المؤسسة الشرعية الوحيدة في ليبيا، لتفرض أوروبا وأمريكا علي الشعب الليبي سلطة جري تشكيلها في اجتماع بمدينة الصخيرات المغربية.ما يحدث في أوروبا وأمريكا يذكرنا بالحملة التي قادها جوزيف مكارثي عضو مجلس الشيوخ الأمريكي في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي، عندما اتهم عددا من موظفي الحكومة بأنهم يعملون لمصلحة الشيوعية، ثم امتدت الاتهامات إلي جميع قطاعات المجتمع الأمريكي، وجري طرد أكثر من 10 آلاف من وظائفهم، وسجن أعداد كبيرة، وجري التشهير والتنكيل بأعداد كبيرة من المثقفين والفنانين بادعاءات كاذبة، ومن بينهم مارتن لوثر كنج وألبرت أينشتاين وآرثر ميلر وتشارلي شابلن.
كان الشعب الأمريكي يؤيد هذه الحملة المرعبة، التي صوروها علي أنها تريد القضاء علي المسيحية، وتهدد كيان الدولة الأمريكية، رغم أن الاتهامات كانت بلا أي أدلة، لكن حملة الترويع بوجود جيش من العملاء والجواسيس أثارت الخوف لدي الشعب الأمريكي، الذي أيد اتخاذ قرارات صارمة ضد كل من يشتبه في أنه يضر بالدين والوطن.
من يتابع القنوات الأوروبية يجدها تخلت عن المهنية، وسقطت في الدعاية الفجة، وتبث صورا ومقاطع فيديو مفبركة، يجري تصويرها وإخراجها من خلال محترفين، وتستخدم الأطفال في تصوير هذه المشاهد لتثير التعاطف مع المسلحين الذين تؤيدهم أوروبا وأمريكا، وكشف صحفيون أوروبيون هذه الخدع، واحتجوا علي ترويج الإعلام لهذه الأكاذيب، لكن يبدو أن المصالح تنتصر علي المبادئ.
عن "الاهرام" المصرية
























