أبدأ بما اختتم به في موسكو البروفيسور الشاب عبد الرحيم الشيخ في محاضرته التي حملت عنوان "أسئلة الثقافة الفلسطينية الراهنة"، حيث "قدَّم مقاربات فلسفية عالمية، استنتج منها وجود إمكانية ليس للأمل وحسب، بل ولتحويل "لحظة الأمل الفردية" من التسجيل غير التاريخي إلى لحظة تاريخية، وتحويل "أزمنة خيبة الأمل الجماعية" إلى حضور تاريخي للأمل عبر ما دعاه درويش "داء الأمل" الذي لا شفاء منه لدى الشعب الفلسطيني إلا بالتحرير والعودة وتقرير المصير في دولة فلسطين المشتهاة". وأعيد البدء من جديد بمقولة سعيد س، لزوجته صفية، في رواية عائد إلى حيفا الشهيرة للشهيد غسان كنفاني: "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله".
لكن ذلك حدث، وما زال يحدث باتجاه متطرف لدرجة السخرية بدءا بما حدث في الماضي، في القرون المتتابعة التي تكررت فيها الأخطاء والخطايا نفسها، ولو قمنا بعد دوائر الزمن لطال الحديث، وانتهاء بما آلت إليه أحوالنا. أتصفح الأخبار التي تعصف بنا؛ في فلسطين وبلادنا العربية؛ وأتساءل بحرقة كهل يدخل الخمسين عن جدوى حروبنا الداخلية: حيت طلب منا المعلم ونحن أطفال كتابة موضوع عن الحرب بين العراق وإيران، كتبت باستغراب طفولي، هل هذا يحدث فعلا، ومنذ تلك الأيام فتى فشاب عشريني ثلاثيني أربعيني على أبواب الخمسين، ونحن نشهد اختلافاتنا الدموية بين الأشقاء، كان ذلك يوما بين الأقطار، الآن صار الخلاف الدامي في البلد الواحد، بل في الجماعة الواحدة. هل بطل استغرابي مع تقدمي في العمر؟ هل صرنا نرى الأمور بشكل واقعي لا رومانسي؟ هل اختبرنا منظور المصالح التي تفرق ليس الأحزاب بل الأخوة أيضا؟! الآن، في ظل هذا الوجع هنا، صرنا نقارن وجعنا، في ظل الوضع الساخر؛ مع أوجاع بلادنا هناك؛ ففي البلد الذي تم الاهتمام بدمقرطته، لم يبق ما يتم دمقرطته: بقي الوجع والموت والدم والفقر..والدمار الرهيب.
ذلك هو سياقنا العربي، مكانا وزمانا، فهل كان هناك مجال لتجنب ذلك كله؟ معظمه؟ بعضه؟ والأهم هل يوجد الآن مجال؟ والأكثر سخرية هل سنصاب في المستقبل بتكرار ما يحدث هنا في أقطار أخرى؟ "تحويل لحظة الأمل الفردية" من التسجيل غير التاريخي إلى لحظة تاريخية، وتحويل "أزمنة خيبة الأمل الجماعية" إلى حضور تاريخي للأمل"، هو ما نستطيعه، وإلا لم نواصل العيش هنا وهناك؟ السؤال الثقافي إذن هو السؤال الوجودي المادي المعنوي-الوطني والقومي والإنساني. في كل أزمة نواجهها أفرادا وجماعات، نحاسب أنفسنا، مقيمين ما حدث، لنأخذ عظة مما كان، ولنستأنف حياتنا بأقل قدر من الأخطاء. ولما كان الكاتب صاحب رسالة، فهو قلق بطبيعته ويشعر بأنه مسؤول، وعليه دفع استحقاقات الانتماء الوطني والقومي والإنساني، بل يظل ضميره تعبا وهو يرى أن في إمكانه تقديم مساهمة ما تفيدهم. فإذا ما باح بما عنده من رأي ونصح ورأى ما يرى مما حذّر منه، سنجده هائما متحدثا عن جدوى الكتابة. أهو قدر ما يحدث في سورية..؟ في حلب؟ أهو قدر ما حدث في البلاد التي تنازع أهلها فضاعت وضاعوا أو كادوا! أم هو من صنع أيدينا؟ "الوطن هو ألا يحدث ذلك كله"! لكنه يحدث في أبشع ما يكون الحدوث! ونحن هنا، لسنا في أفضل الأحوال، فقد تنازعنا تحت الاحتلال، وما زلنا كلما نصحنا شقيق أو صديق بتخفيف حدة الانقسامات ازددنا تشظيا، كأنه لم نقرأ يوما عن شعرة معاوية، بالرغم أن السياسة تقتضي ذلك والوطن أيضا. لقد قيل: ليس بالامكان أبدع مما كان. وقلت: بالإمكان أبدع مما يكون، وعنونت بالعبارة مقالا لي قبل بضع سنوات؛ على أمل تجنب الأخطاء والبدء من حيث انتهى الآخرون كما ينبغي للحضارة أن تكون. لم أعرف أن صاحب العبارة الأولى هو الغزالي، في كتابه"خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر" حيث "كان بعض الطلبة سأله عنها فأجاب بما نصه اعلم أيها الأخ أن المحال على قسمين أحدهما محال لذاته والثاني محال لغيره فإن الممكن قد يصير محالا لغيره أو واجبا لغيره مثاله بعث الموتى من قبورهم ممكن في حد ذاته لأنه إذا خلى العقل ونفسه حكم بجوازه لكن لما أخبر سبحانه صار واجب الوقوع بالنظر إلى خير الله تعالى لا يتخلف عدمه وصار محالا لغيره بهذا الاعتبار إذا تقرر لك هذا..." كأنه أراد بذلك أحكام القدر؛ لكننا كبشر لم نطلع أصلا على الأقدار، لذلك ليس علينا وأمامنا إلا العمل والأمل. لذلك في الإمكان دوما أن نبدع أكثر مما كان ويكون، فقط إذا أردنا. تلك هي الإنسانية، وهي الوجود المتحقق بإرادتنا. هل بقي شيء نقوله في ظل هذا الوضوح؟ بقي أن نقول، بأننا نستطيع بأنفسنا أن نحدث فرقا، ومن يريد أن يقودنا لإحداث ذلك، سيكتسب الشرعية، في الزراعة والصناعة، والتعليم، والإعلام، والسياسة والاقتصاد ..ونحن أيضا قادرون أن ننجب قيادة التغيير، قيادة تحمي الأوطان من الانقسامات، والنزاعات، وصولا إلى الوحدة الوطنية لكل بلد، والمنظور القومي الذي يشكل صمام الأمان لاستقرار أقطارنا.
وهو مفتاح الخلاص. " لحظة الأمل الفردية"، هي أن يفعل الفرد أيضا ما يقدر فعلا، فمحصلة العمل الفردي هو العمل الجمعي؛ والعمل الفردي للكبار والصغار، من قيام الطفل بواجباته المدرسية إبداعيا، إلى أي عمل فردي ضمن منظومة الجماعة. كل صاحب مهنة، وكل مواطن له محيطه الخاص الذي ينتمي له ويبدع فيه ومن خلاله. "لحظة الأمل الفردية" من التسجيل غير التاريخي إلى لحظة تاريخية"؛ فحين يحقق الأفراد ذواتهم/ن في إبداع الوجود رغم عدم تسليط الأضواء الإعلامية عليهم، تماما كما أغفلهم كتبة التاريخ الرسمي، فإنهم في النهاية هم الذين سيحققون الانتصار، وتحقيق الأهداف؛ ألم يكن للمقاومة الشعبية في عكا الأثر الأكبر في دحر نابليون! المكان والزمان، والإنسان بهما يكون، فهما بعداه ومصيره، وهما حياته الغالية، وحياة المجموع والجماعة والجامعة وما يجمع.. لنتأمل في عبارة غسان كنفاني حين تحدث عن الوطن والجيل الجديد المتمثل بابنه: "لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط، أما خالد فالوطن عنده هو المستقبل". في تأمل المصير، كم منا سيكون صريحا مع نفسه ليفعل ما يستحق الوطن من مستقبل، وما يستحق المستقبل من الوطن. "أتعرفين ما هو الوطن يا صفية ؟ الوطن هو ألا يحدث ذلك كله". عيب أن يحدث ذلك كله! عار أن نسمح باستمرار بعضه! مخجل ألا نفعل ما ينبغي أن نفعل! أنا أستطيع وأنت وأنتما وأنتم وأنتن.. [email protected]
























