شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاثنين 04 مايو 2026م14:54 بتوقيت القدس

تجديل شعرة معاوية !

16 ديسمبر 2016 - 11:23
خالد عيسى
شبكة نوى، فلسطينيات:

عدتُ الى دمشق بعد غياب قسري عنها .. دام أكثر من ثلاثين عاما . رجعتُ الى المدينة التي هربتُ منها ببطاقة هوية مزورة الى بيروت في منتصف السبعينيات لاجئا فلسطينيا شابا ، ورجعتُ الى مطارها بعد هذه السنوات الطويلة فلسطينيا كهلا بجواز سفر سويدي !
في مطار دمشق .. أدركت ان قلب العروبة النابض هو قلبي الذي كان ينبض خوفا وضابط الجوازات يوزّع نظراته بين جواز سفري السويدي ، وملامح وجهي ، وختم الدخول يمارس تردده بين يديه ، رغم اني حصلت على موافقة من السفارة السورية في استكهولم بالدخول الآمن . لا أدري كم مضى من الوقت قبل ان " يطج " ضابط الجوازات ختمه الميمون على جواز سفري .. لأدخل الشام مقطوع الأنفاس !
لم أكن أدري ؛ وأنا أبحث في دمشق عن ما بقي عالقا في الذاكرة من دمشق التي تركتها مرغما كل هذه السنوات الطويلة .. ان زيارتي هذه ستكون الاخيرة قبل ان يندلع الحريق السوري الذي يلتهم الشام ، وان شرفات الياسمين التي كانت تسهر مطمئنة في أحضان قاسيون .. ستتحول الى شرفات القناصة ؛ تطارد حمامة بيضاء بين دمر والهامة ، ولم يخطر ببالي ان حرارة صيف آب اللهاب الذي كان يتصبب عرقه تحت التيشرت في باب توما هو انذار مبكر للحريق الذي ينتظر الشام . وكنت أعتقد ان صور ابتسامة الرئيس السوري الشاب التي تغص بها شوارع دمشق قد تعيد لسوريا شبابها ، وتجدد حياتها السياسية بعد سنوات طويلة من حكم أجهزة المخابرات بين القصر الجمهوري وسجن المزة ، وكنت أطلّ من قاسيون مبهورا بأضواء دمشق التي تتراقص على أنغام قدود صباح فخري ، ولم أكن ادري ان دمشق ستمضي ليلها حول الشموع التي تتراقص حول دموعها المفجوعة برحيل الأحبة !
ولكن دمشق... لم تعد دمشق التي غبتُ عنها كل هذا الغياب .. كانت دمشق في متناول اليد قبل ان أغادرها قبل ان تنتفخ المدينة ، ويزحف الاسمنت ويقضم غوطتها قطعة قطعة ، وتصعد دمشق الى قاسيون بأحياء سكنية جديدة ، لم تكن على أيامي ، لتجعل من الربوة التي كنا نسافر اليها بباص الرحلات .. أذهب اليها اليوم من ساحة المرجة مشيا على الأقدام !
ثمة شيء آخر ؛ كان يجري في دمشق التي كانت تخفي تحت هذه السكينة بركانا تتجمع حممه تحت قشرة واهية من هدوء الذي يسبق العاصفة ، وكنت أبحث في سوق الحمدية عن دهاء معاوية ، حين يحاول تجار الشام تجديل شعرته بتناقض عجيب ! كنت أحاول تفسيره ، وأنا أتفرج على بدلات الرقص الى جانب ملابس الصلاة تعرض بطلاقة في " فاتر ينات " سوق الحمدية ، وكنت أرى صورة كبيرة علقتها دمشق للزعيم الشيعي حسن نصرالله على جدار الجامع الاموي ، تحت بصر الخليفة يزيد ابن معاوية ، وتجار الشام يمارسون حياتهم ، ويصطادون الزبائن بمهارة شامية لا يتقنها غيرهم !
ولكن دمشق هذه خارج سوق الحمدية .. كانت دمشق ثانية .. لم تعد دمشق العلمانية التي عرفتها قبل ان يتحول المسجد الى حزب سياسي ، يجهز الثورة الاسلامية التي تحلم بعودة السُنة الى القصر الجمهوري ، الذي غابت عنه أكثر من نصف قرن من حكم الحزب الواحد ، كنت أسمع في سيارات الاجرة التي كنت أتنقل بها تسجيلات الشيوخ والدعاة .. لم تعد أغاني صباح فخري تليق بالصحوة الاسلامية التي كانت تنهض بهدوء في شوارع دمشق ، وتحجب نساء دمشق شيئا فشيئا ، وتنمو لدمشق لحية .. تعدّ ثورتها الاسلامية التي انتظرت الربيع العربي لتعلن ثورتها من درعا !
اليوم والحريق السوري يدخل عامه الخامس ، وفق معادلة دولية حكمت هذا الصراع : ان لا يسقط النظام وان لا تنتصر المعارضة الاسلامية في حرب التدمير الذاتي التي يمارسها النظام والمعارضة .. التي لن تخرج منها سوريا واحدة موحدة بعد ان صار التقسيم واقعا على الارض بين شمال سوريا وجنوبها ، وبعد ارادة اقليمية ترسم خرائط جديدة للمنطقة ، هل ينتصر دهاء تجار الشام ومهارة سوق الحمدية على المؤامرة الدولية بزعامة اسرائيل في المنطقة وقلب الطاولة ، واعادة تجديل شعرة معاوية من جديد بين أطراف الصراع ؟!
هي دمشق ؛ التي تبحث عن دمشق وسط بحر الدماء هل هي دمشق التي عدت اليها قبل ان يشتعل حريقها ؟ !

كاريكاتـــــير