شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 06 مايو 2026م02:02 بتوقيت القدس

مصير ترامب ومعارك الداخل والخارج

13 نوفمبر 2016 - 16:21
مصطفى السعيد
شبكة نوى، فلسطينيات:

يتعرض الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب لجملة من التحديات الخطيرة في الداخل والخارج، تثير الشكوك حول قدرته علي تنفيذ برنامجه الانتخابي، الذي كان وراء الحملة العدائية الضخمة التي تعرض لها منذ إعلانه الترشح وحتي الفوز، وردود الفعل العنيفة الرافضة لسياساته والساخطة من فوزه.
لقد أعلن ترامب عن انقلاب في السياسات الأمريكية بكل المعايير، سيترتب عليها تغييرات واسعة تشمل الولايات المتحدة والعالم، وهو السبب الحقيقي لحالة الاضطراب والذعر التي رافقت حملته الانتخابية، واستمرت بعد إعلان فوزه، بدءًا من تراجع البورصات وسعر الدولار، وحتي خروج المظاهرات ضده، أكبرها في كاليفورنيا التي طالبت بالاستقلال عن أمريكا.كان ترامب قد كشف بكل قسوة عن الحالة المتردية للاقتصاد الأمريكي، مثلما كشف عن فساد النخبة السياسية، ووضع تصورا أوليا للحل الذي يراه ضروريا، فقد أشار إلي ارتفاع المديونية الأمريكية إلي مستوي خطير، واقترب من 20 ألف مليار دولار، وهو حجر ثقيل يمكن أن يكتم أنفاس أمريكا، وزاد من وطأته أن العجز في الميزان التجاري بلغ 800 مليار دولار سنوياوإذا أضفنا أن حجم الإنفاق العسكري السنوي في أمريكا يبلغ نحو 600 مليار دولار سنويا، ويستهلك 3.9% من إجمالي الناتج المحلي وفقا لمعهد استوكهولم لأبحاث السلام الدولي، يتبين مدي حجم المأزق الاقتصادي الأمريكي، وهذا الإنفاق يتجاوز إجمالي جميع الدول الست الكبري، فالصين تنفق 200 مليار دولار، وروسيا 66 مليارا، وبريطانيا 55 مليارا، وفرنسا 50 مليارًا، وألمانيا 39 مليارا، وهو ما يعني أن المؤسسة الأمريكية العسكرية الضخمة جدا تقف علي سيقان ضعيفة، ولهذا كان علي أمريكا أن تتخذ أحد طريقين، الأول أن تسعي من خلال القوة العسكرية إلي هيمنة تفرض شروطا اقتصادية علي باقي الدول، سواء باستخدام القوة أو التلويح بها، أو تضطر إلي تقليص مؤسستها العسكرية الضخمة إلي حدود لا تجعلها تعمق من الأزمة الاقتصادية. كانت الولايات المتحدة قد سارت في الطريق الأول المعتاد، منذ أن ورثت الإمبراطوريتين البريطانية والفرنسية عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكان وراء فوزهابهذا الإرث الضخم أنها لم تتأثر بالدمار الذي لحق بباقي دول أوروبا واليابان فى أثناء الحرب، لأن المحيطين الأطلسي والهادي حمياها من تلقي الضربات علي أراضيها، ولهذا انتعشت مصانعها وراكمت الأرباح الضخمة بسرعة كبيرة، لأنها الوحيدة الناجية من ضربات القنابل.
يبدو أن هذا الزمن قد انتهي، وأن جيوش أمريكا لم تعد قادرة علي فرض الهيمنة الاقتصادية لأمريكا، وها هي الصين تقترب من اعتلاء عرش أكبر اقتصادات العالم، ولديها أكبر فائض في الميزان التجاري، وتشتري نسبة كبيرة من أذون الخزانة الأمريكية، وبدأت ترفع من معدل إنفاقها علي التسلح، بينما روسيا تحتفظ بأكبر مخزون من الغاز في العالم، وتسعي لشراء الكثير من حقول الغاز وأنابيب النقل، ولديها تكنولوجيا عسكرية أثبتت جدارتها.
السياسة العسكرية التي اتبعها بوش الابن فشلت في العراق وأفغانستان، وحاول أوباما أن يعيد التجربة باستخدام أدوات جديدة، باستغلال الجماعات الإسلامية المتطرفة والتمويل الخليجي، بما لا يكلف أمريكا الكثير، لكنها وجدت نفسها في مأزق جديد، والمخطط يتهاوي، ولا يكاد يحقق شيئا، لكن الإدارة الأمريكية كانت عازمة علي مواصلة السير فيه، طالما أنها لا تمول ولا يموت جنودها، ولهذا تمسكت بترشيح هيلاري كلينتون العارفة ببواطن المخطط والممسكة بكل خيوطه. جاء ترامب من خارج الصندوق ليشكل مفاجأة وتحديا للمؤسسة الأمريكية الحاكمة، فهو لم يكن قد سبق أن تولي أي منصب سياسي، وليس معروفا إلا بوصفه مقاولا ومنظم حفلات، لكنه أطاح بـ 16 منافسا له في الحزب الجمهوري، وفرض نفسه مرشحا، ورغم رفض قادة من حزبه الجمهوري تأييده في مواجهة هيلاري، فإنه مضي في طريقه، وتحدي المؤسسات الإعلامية الضخمة التي أعلنت عليه الحرب، والمعروفة بتأثيرها الهائل علي الرأي العام، لكن خطابه المعادي للنخبة السياسية لقي أصداءً طيبة لدي المحافظين البروتستانت والمزارعين التقليديين والبيض المتعصبين، والعمال الذين تتدهور أجورهم، والعاطلين الذين قال إن أعدادهم تفوق كثيرا الأرقام المعلنة، فالاقتصاد الأمريكي المأزوم لم يعد قادرا علي استيعاب المزيد من المهاجرين مثلما كان، بل ينافس المهاجرون المواطنين علي فرص تتقلص، ما زاد من كراهية البيض للمهاجرين.
برنامج ترامب البسيط والواضح هو أن تعود أمريكا إلي ترتيب بيتها، بأن تستعيد الاستثمار، وتمنح المستثمرين المزيد من الإعفاءات، والخروج من اتفاقية التجارة العالمية، لوقف تدفق السلع الرخيصة عليها، وتحمي سوقها من الغزو السلعي لمنتجات الصين والهند وغيرها من الدول الناهضة، وأن تسدد الدول التي تحميها القوات الأمريكية فاتورة التكاليف.
هذا الانقلاب في السياسات الأمريكية هو ما يثير الكثير من المؤسسات ومراكز صنع القرار في أمريكا ضد ترامب، والتي فشلت في عرقلة وصوله إلي سدة الحكم، وكذلك حالة الهلع لدي أصدقاء أمريكا، خصوصا في أوروبا التي اتهمته صحفها بأنه مخرب وخطر علي السلام وعنصري خطير، لكن هؤلاء جميعا مازالوا يراهنون علي أن ترامب سيعرف أن ما يريد تحقيقه غير ممكن وله عواقب وخيمة، وعليه أن يتكيف مع المؤسسات الأمريكية ومع أصدقاء وحلفاء أمريكا، ويواصل تنفيذ الخطط المتفق عليها وإلا فإن العواقب سوف تكون وخيمة.
عن "الاهرام" المصرية

كاريكاتـــــير