غزة-نوى:
لم يكن رحيل الرئيس ياسر عرفات "أبو عمار" عن المشهد السياسي الفلسطيني بالحدث الذي يتجاوزه الشعب الفلسطيني ببساطة؛ فما بين كاريزما الرجل الجامعة لكل تشعبات الحالة الفلسطينية إلى طبيعة النظام السياسي غير المؤسساتي، عاشت الوضع الفلسطيني حالة تيه أفضلت بعد أقلّ من خمس سنوات على رحيله حالة انقسام سياسي وجغرافي وتكدّس وتعقّد الملفات التي تحتاج لحل فضلًا عن عدم تحقيق أي إنجاز سياسي يمكن أن يؤسس لبناء دولة مستقبلًا.
تقول المحللة السياسية د.عبير ثابت عن الشهيد ياسر عرفت مثّل شخصية متكاملة فما تميّز به ما كاريزما سياسية منحته القدرة على إدارة مفهوم الثورة والدولة في آن واحد، ولم يُسقط البندقية ولا غصن الزيتون من يديه ولكن كان بين الفينة والأخرى يقدم أحدهما على الآخر.
وذكّرت بأن عرفات كان شخصية لها حضورها رغم الغياب لاثني عشر عام، فما زالت الشعوب المحبّة للسلام تقتدي بمسيرته، والكثير من المتظاهرين حول العالم يتوشحون بكوفية الشعب الفلسطيني التي وضعها الختيار وحملت شعار الحرية والكرامة.
وأضافت أن المشهد السياسي ما زال يشهد فراغًا فعرفات أدار المفاوضات بحنكة السياسي وعقل الثائر، لم يحل مكانه أحد، خاصة بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد 2000 ويقينه أن إسرائيل لن تحقق شيئًا وتسعى لإضاعة الوقت.
وقدّرت بان حيله أصاب القضية الفلسطينية بانتكاسة، فما زلنا نعاني ونحن في امسّ الحاجة لإنهاء الانقسام وإتمام الوحدة وإنهاء الصراعات الداخلية، وحتى حركة فتح تعاني الانقسامات الداخلية على المواقع والتي لا تبشر بخير لهذه الحركة العملاقة التي أسسها عرفات ورفاقه منذ الخمسينيات.
وأضافت أن الانقسام السياسي الذي أعقب رحيل عرفات أنهك قضيتنا وأفقدنا عمقنا العربي وهمّش القضية الفلسطينية في المحافل المحلية والدولية، والذي سمح للكثير من القوى الخارجية بالتدخل وهو ما كان يعتبره عرفات خطًا أحمر لا يسمح لأي طرف بالتدخل فيه.
وأضافت:"كان أبًا للجميع، اختلف الكثيرون معه ولم يختلفوا عليه، فهو مقاتل عنيد عميق التفكير قوى الإرادة جرئ القرار وجامع للكل الفلسطيني، لم يسجل تاريخه النضالي العداء لأي طرف، فقد قال الشهيد خليل الوزير ذات مرة بأن أبو عمار لديه قانون اسمه قانون المحبة الفتحاوي من يختلف معه من أي فصيل يذهب إليه ويجلس معه ويصالحه، ضحى بكل شيء من أجل فلسطين وما زالت فلسطين وشعبها تحتضن ذكراه".
أما الباحث السياسي طلال أبو ركبة فقال أنه من الواضح أننا عندما فقدنا الرموز بتنا في حالة تيه، فمنذ منذ رحيل عرفات وغياب الأفق للكل الفلسطيني، حيث تهيمن على الحالة الفلسطينية مفاهيم الانقسام والإقصاء والتهميش داخل المجتمع الفلسطيني وهو ما تم ترجمته من انقسام سياسي وجغرافي بين شطري الوطن في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ وإهمال لجملة القضايا الفلسطينية في الشتات كإهمال المخيمات في بيروت والعراق وسوريا.
وأضاف أن المشهد الفلسطيني بات انقساميا، فأبو عمار كان يمثل رمزية نضالية حقيقية هو ورفاق دربه، ولكن يبدو أن هذه الرمزية النضالية لم تستطيع أن تؤسس لمفهوم المؤسسة الفلسطينية فعندما غاب الأب وغاب الرمز غابت الوحدة الحقيقية، وهذا ما تعرّض له الفلسطينيون وانكشف عقب رحيل عرفات وحالة الانقسام حتى داخل الفصيل الواحد باتت واضحة.
وقال بأن القضية ليست كاريزما، فعادة الآباء المؤسسون يصنعون الكاريزما ولكن كان لا بد من تأسيس مؤسسة، فبعد السبعينيات ذهب العالم كله لبناء أنظمته السياسية على نظام المؤسسات.
وشرح بأن الإشكالية في الحالة الفلسطينية أنه لا يوجد مأسسة حقيقية، فلا أحد يستطيع أن يملًا الفراغ الذي تركه ياسر عرفات برمزيته وكاريزماه وتاريخه الطويل، كنا نختلف معه ولا نختلف عليه أما غيره فنحن نختلف معهم وعليهم في ظل غياب نظام المؤسسات.
وتابع:"هناك اختلاف نهج ورؤية واستراتيجية نجم عنه هذه الحالة من الانكسار والتيه والتشرذم التي يعاني منها المجتمع الفلسطيني، بالتالي عرفات ورفاقه من مفجري الثورة القادة الأوائل لكل الفصائل كانوا صمام الأمان بغيابهم عن المشهد ذهبت الحالة الفلسطينية إلى حالة من الحيرة".
وختم حديثه بالتأكيد أن عرفات ورفاقه نجحوا في انتزاع البعد السياسي للقضية الفلسطينية خلال مرحلة النضال، ولكن بقيت كل الملفات عالقة بعده، فلا تم إنجاز دولة ولا وقف استيطان ولا حل قضايا مياه، بل ازدادت سخونة فأصبحت متعلقة بالنظام السياسي الفلسطيني الذي يعاني أزمة بنيوية شاملة في كافة اتجاهاته وأركانه.
























