أوصى خبراء بيئيون وزراعيون وصحيون بتدارك مشكلات قطاع غزة قبل تفاقمها بشكل أكبر في السنوات القادمة اثر العدوان الإسرائيلي على غزة صيف عام 2014.
وشدد هؤلاء خلال ندوة حوارية عقدها مركز العمل التنموي "معًا" في مقره بمدينة غزة، أمس، على ضرورة استباق احتمالية ظهور أية أمراض قد تكون ناجمة عن العدوان الإسرائيلي الأخير، من خلال فحص ما هو موجود الآن في القطاع من مياه وهواء وتربة وصخور.
وعقدت الندوة بعنوان "الواقع البيئي الغزي الكارثي بعد أكثر من عاميْن على العدوان الإسرائيلي.. مؤشرات ودلائل".
وأشار الخبراء إلى أن عمليات الاستهداف الإسرائيلي بالقصف والتجريف والتدبيك للبيئة الأرضية في قطاع غزة أدت إلى فقدان حيوانات برية ونباتات تقليدية، في مقابل انتشار أعشاب وحيوانات وحشرات ضارة إضافة إلى غياب ملحوظ لأنواع معينة من الأسماك بسبب ضخ المياه العادمة في البحر دون معالجة، وهو ما يستدعى النظر في إمكانية استخدام الاحتلال أسلحة محرمة دوليًا مثل الفسفور الأبيض واليورانيوم المخصب.
وبينوا أن الحالة النفسية للناس ولدت لديهم عداء للبيئة من خلال حالة اللامبالاة لجهة الانشغال بتوفير لقمة العيش لهم بسبب ارتفاع نسب الفقر والبطالة، وهو ما يتطلب التوجه إليهم من خلال وسائل الإعلام عبر برامج توعية وتثقيف وتعليم.
ورأوا أن أي تطور إيجابي في قطاع غزة مرهون بالظروف السياسية، داعين إلى ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ومحاسبة المسؤولين عن الوضع الإنساني، وإعادة فتح المعابر وتحمل المجتمع الدولي لمسؤولياته أمام الواقع في غزة، وإنهاء الانقسام الفلسطيني وإعادة تشكيل نظام سياسي يسمح بإدارة القطاع بشكل أفضل.
وأكد مدير فرع مركز العمل التنموي "معًا" في غزة جبر قديح، على أهمية موضوع الندوة لبيان التأثير الحقيقي لعدوان 2014، وتسليط الضوء على مشكلات عديدة ازدادت خلال الفترة الماضية ومنها مرض السرطان.
بدوره، استعرض الباحث الدكتور أحمد صافي، في نتائج بحثٍ له حول الآثار البيئية لعدوان 2014 بعد عام من انتهائه، وبين أن الاستنتاجات كانت متواضعة فيما يتعلق بالمياه، لأن الأثر الممكن بالنسبة للمعادن الثقيلة يصعب على الناس اكتشافه بالممارسة، بينما تعرضت التربة للتدمير والتدبيك المستمر بفعل الانفجارات الناجمة عن القذائف والصواريخ وضغط الدبابات العسكرية عليها وبالتالي إحراقها وتحويلها إلى أراضٍ غير قابلة للزراعة.
وأكد د. صافي أن العدوان الأخير أجهز على ما تبقى من أنظمة حيوية فاعلة خصوصًا في المناطق الشرقية لقطاع غزة، حيث فقدت بعض الحيوانات البرية مع غطاءها النباتي، وأزيلت بقايا أحراش في شمال القطاع فضلًا عن اقتلاع نباتات تقليدية مثل (الخبيزة والحمصيص والرجلة والبابونج)، وفي مقابل ذلك انتشرت أعشاب ضارة يصعب التخلص منها، إضافة إلى حيوانات وحشرات ضارة وروائح كريهة في المناطق الردم.
وبشأن البيئة البحرية أشار إلى أنه كان هناك نقلة نوعية في كمية المياه غير المعالجة التي تتدفق للبحر، وهو ما لوحظ من انتشار الطحالب وبروز شكاوى عديدة من الصيادين حول انتشار أمراض جلدية بينهم، واضعًا في الحسبان احتمالية تغيير تركيبة البنية البحرية، وهو ما يستدعي تساؤلًا عمّا إذا كان للحرب الأخيرة علاقة بذلك.
من جهته، أكد مدير مكتب منسق الشؤون الإنسانية في قطاع غزة حمادة البياري، أن أولويات السكان في ظل ارتفاع نسب الفقر والبطالة بينهم تتجاوز التطرق لقضايا البيئة إلى هاجس توفير لقمة العيش لهم، وأشار إلى أن 44% من القوى العاملة بلا عمل و75% يعتمدون بالأساس على مساعد خارجي لتحصيل أدنى احتياجاتهم، بينما 47% من السكان لديهم مشكلة في توفير الغذاء.
ووصف البياري في مداخلته خلال الندوة، الوضع العام في القطاع بأنه "معقد جدًا" لكن لا يصل إلى حد أنه يعاني من أزمة إنسانية بقدر ما يعاني من أزمة حقوق وكرامة، محذرًا من التبعات الاقتصادية والحياتية الناجمة عن الكثافة السكانية في قطاع غزة، وذكر أن التقديرات بحلول عام 2020 تشير إلى أن القطاع سيتواجد به 6 آلاف نسمة لكل كيلو متر مربع وحد، وهذا الرقم يعتبر الأكبر عالميًا.
وذكر الدكتور محمود ضاهر مدير مكتب منظمة الصحة العالمية في قطاع غزة، أنن ما حدث في العدوان الأخير من تدمير وتدهور في الحالة العامة لقطاع غزة سواء من البنى التحتية أو المقدرات وفقدان الحياة والمرضى، هو تراكم لما كان سابقًا ولما يستمر إلى حد الآن.
ووصف ضاهر في كلمة له، أمس، قطاع غزة بالسجن المؤبد، مشيرًا إلى أن الآلاف فقط من أصل مليوني نسمة يستطيعون السفر وبالتالي فإن حصة كل مواطن في السفر تكون مرة واحدة كل عشرين عامًا، أثر ذلل بشكل كبير على الصحة العامة سواء النفسية أو الجسدية.
وأكد أن الجهاز الصحي في غزة يحاول أن يتعامل مع العبء الكبير لافتًا في الوقت ذاته إلى وجود أجهزة حديثة ومتطورة وأعداد عاملين مدربين يفوق ما هو موجود في الضفة الغربية.
بدوره، أفاد مدير التوعية البيئية في سلطة جودة البيئة الدكتور أحمد حلس، بأن هناك أشياء مسرطنة تظهر على المدى البعيد تسبب تضخمًا غير طبيعيًا في الخلايا أو قد تصل إلى المياه أو القنوات المتعددة.
وأكد حلس خلال الندوة، أن المؤسسات البيئة في غزة تعمل ضمن ظروف معقدة جدًا في ظل منع سلطات الاحتلال إدخال معدات خاصة بالبيئة في غزة بحجة الاستخدام المزدوج وهو ما تسبب بعجز في تطوير وتنمية القطاعات البيئة المختلفة.
وفي مداخلة له، أكد مدير عام مصلحة مياه بلديات الساحل المهندس منذر شبلاق، إعادة إعمار قطاع المياه بنسبة 100%، وما جرى إعماره من ناحية استراتيجية أفضل مما كان عليه الحال قبل العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة.
























