شبكة نوى، فلسطينيات
اليوم الاربعاء 06 مايو 2026م17:37 بتوقيت القدس

المرأة الفلسطينيّة: الاحتلال والفقدان!

30 اكتوبر 2016 - 00:47
شبكة نوى، فلسطينيات:

مرح الواديّة – نوى

كانت المشاهد في حرب 2014 وما بعدها مفجعة إلى حد الإيلام: نساءً ناجين السّماء حينما انتزع الاحتلال أرواح أبناءهم، أزواجهن، أشقاء لهم وشقيقات، بل ومنازلهن أيضًا، مقتنيات شخصيّة، وذكريات.. ولكن، ماذا بعد غمامة الفقد التي تطبق على أرواح قتلت فيها الحياة وهي على قيد الحياة؟! الاحتلال والفقدان .. والقادم يختصر..

تبدأ منى الظاظا بسرد حكايتها القاهرة، وهي أم لولدين سابقًا وثلاثة بنات، فقدت الأول عام 2012 إثر سقوطه من سطح المنزل، حتّى تكرر الفقد عام 2014 ليطال المنزل. تقول منى في البداية اعتقدت أن المنزل تضرّر، توقعت غرفة المعيشة، أو قذيفة قد ضربت المطبخ، إلى أن تم الإعلان عن التهدئة الأولى بعد نحو أسبوعين وتمكّنت من الوصول لمنزلها الذي أصبح رمادًا بفعل ضربات القذائف والصّواريخ.

"كإنسان على مفترق لا يعرف بأي اتجاه يسير!" هكذا تصف شعورها حين فقدت منزلها. تضيف منى أن تبعات الفقد كانت تنال منها في كل آن، إذ كان استئجار منزل آخر لها بمثابة أمر قاتل، صارت تتململ من رؤية النّاس وتتهرّب، لا تريد أن ترى أحدًا، كانت مهمومة، انعزلت بشكل تام، لم تعد تفي بيتها ولا عائلتها احتياجاتهم كما في السّابق، تجلس بينهم وهي شاردة بذهنها، هناك إلى طي الذكريات المؤلمة في المنزل الذي غادرها وأدمى قلبها.

وعن مدى تقبّلها لفكرة الالتحاق ببرنامج دعم نفسي، قالت أنّها رفضتها في البداية ولم تتوقّع أنها ستكمل، لكنها قررت أن تخوض التجربة بعد دعم عائلي. تروي: "همّشت الموضوع في بادئ الأمر، هاتفوني لتحديد المواعيد، وكانت عائلتي تدعمني أن أذهب وأجرب إلى أن قبلت، ومن هنا بدأت الحكاية .. أخيرًا ستتاح لي الفرصة بالتحدث من دون أن يهوّن علي أحدهم وأسمع كلمة "معلش"؟ أخيرًا سوف أتحدّث ولن يسكتني أحد بأن هذا حال الكل! أنا بحاجة إلى الكلام حقّا، أدركت الأمر أخيرًا، هذا ما كنت أريده وأكتمه، أريد التحدّث"

"صرت أنتظر يوم الأحد بفارغ الصبر، فهذا اليوم لي وللمكلومات مقلي، هذا اليوم الذي سأشعر بهن وسيشعرن بي" تتحدّث منى بشغف كبير، كانت تريد أن تحكي لنا تجربتها بطرق جدار الآلام بل وهدمها. وتتابع: "نفسيتي تحسّنت، أحببت فكرة الالتقاء بزميلاتي الفاقدات هنا، أحببت أجواء الألفة والصداقة، زرنا أماكن لم نكن نعلم بوجودها، كانت كالخيال بالنسبة لنا .."

لم تنفك الظاظا عن التعبير عن مدى التأثير الجذري الذي حققته من خلف الاندماج بنساء شاركنها آلامها وهي كذلك، تمنّت لو تطلق على البرنامج اسم "من اليأس إلى الأمل" كما تمنّت أيضًا لو أن التدريب يستمر بلا انقطاع!

أمّا عن راوية أبو بيض (50 عامًا) التي كان الفقد لديها مضاعفًا باستشهاد ابنها واستهداف منزلها، تشير إلى أنها "حزينة لأن التدريب سوف ينتهي"، بعد سنة من تلقّي الدعم. وتروي: "منزلنا قصف وتضررنا كثيرًا، أصابني انطواء تام، لا أستقبل ضيوف ولا أهل ولا أصدقاء، وذات مرّة أشبعت ابنتي ضربًا لأنها استقبلت نساء الحارة وأنا بحالة لا تسمح لي باستقبالهم .. بالكاد أجلس مع أبنائي، لدي ابن جريح، أصر علي أن ألتحق ببرنامج الدعم النفسي، كان يقول لي لا نريد أن نخسرك يا أمي محاولًا إقناعي بالمشاركة هو واخواته وزوجي أيضًا، إلى أن رضخت أخيرًا."

وتوضح أنّها ترددت كثيرًا قبل الالتحاق بالتدريب الذي صار فاصلا بحياتها، بعدما شاهدت نساءً تجرّعن المرّ والمرار بسبب الحرب. ليس ابنًا فحسب، وإنما زوجًا وأخًا وابنة ومنزل! "حينما كنت أسمع قصص الأخريات أيقنت فعلًا أن من يرى مصيبة غيره تهون عليه مصيبته!" تقول راوية.

يومًا عن يوم صار لديها رغبة بالتحدث، بالتغلغل بين المشاركات لكسر حواجز الاكتئاب والإحباط، لتدعمهن وتكتسب دعمهن لها أيضًا، صار بينهن زيارات عائلية،  اجتمعن على القول: "صرنا ننتظر اللقاءات بشغف، نتمنّى لو أن التدريب لن ينتهي لأننا بحاجتها باستمرار! عدنا للتقرب من أبناءنا والمحيطين بنا، نحن سعيدات برغم الجرح الذي كان يحاول النيل منّا سابقًا.."

"المرأة الفلسطينيّة، الاحتلال والفقدان" هو عنوان المشروع الذي يقوم مركز "شؤون المرأة" بالشراكة مع "مركز الدراسات النسوية بالقدس" وبدعمٍ من Kvinna till Kvinna"" بتنفيذ نهج "من فاقدة إلى فاقدة" في غزّة لدعم النساء اللواتي يعانين من أنواع مختلفة من الفقدان والصدمة، نتيجة الاحتلال الاسرائيلي، الحصار على غزّة والحروب.

تقول هداية شمعون منسقة المشروع أنّه يهدف إلى تعزيز قدرات النساء الفاقدات على التعامل مع الفقدان والصدمة الناتجة عن الاحتلال الاسرائيلي، الأمر الذي يتيح لهن أن يصبحن من عوامل التغيير، وأنصارًا للنساء الفاقدات الأخريات وأسرهن ومجتمعاتهن، غير أنّه يسعى لتفهّم أفضل لوضع المرأة الفاقدة من قبل المجتمع ككل، وتعزيز حقوق الفاقدات وأخذها بعين الاعتبار.

وتضيف أن مدّة المشروع تصل إلى ثلاثة أعوام، بدأت بزيارات ميدانيّة من قبل متخصّصات عملوا على تعبئة حوالي 60 استمارة قبلية مع النساء اللاتي تعرّضن للفقد في حيّ الشجاعيّة بعد عدوان 2014. وتتابع: "عقدنا تدريبين بواقع 52 ساعة تدريبيّة لتطوير مهارات الأخصّائيات الاجتماعيات في مجال الدعم للفاقدات، ثمّ بعد تعبئة الاستمارات، أسّسنا ثلاث مجموعات للفاقدات اللاتي سيحصلن على المساعدة النفسية، ودعم دمجهن لاحقًا بمجموعة مساعدة ذاتية في 24 لقاءً منظمًا خلال السنة الأولى من المشروع".

ليس ما سبق فحسب، بل تم تشكيل لجنة استشارية للمشروع  من 15 مؤسّسة محليّة يمكنها المساهمة في تقديم خدمات تتناسب مع برنامج الفقدان، وتنفيذ 288 جلسة فردية لـ72 امرأة، ثمّ عقد تدريب متخصّص لعدد 18 امرأة فاقدة بمعدّل 45 ساعة تدريبيّة ومساندتهن لتقديم تجربتهن في الدعم الذاتي لنساءٍ جدد تعرّضن للفقدان، غير مئات الجلسات الفردية لحلات فردية أخرى لنساء الحي على أيدي أخصّائيات نفسيّات يرافقنهن مجموعة من النساء الفاقدات اللاتي التحقن بالمشروع. 

كاريكاتـــــير